صحيفتا قريش الملعونتان ٢٥٥
جبرائیل غداً أفعل ذلك إن شاء الله . وأمر رسول الله بالرحيل من وقته وسار الناس معه حتى
نزل بغدير خم ، وصلى بالناس وأمرهم أن يجتمعوا إليه ودعا عليا ا ورفع رسول الله له يد
علي اليسرى بيده اليمنى ورفع صوته بالولاء لعلي الله على الناس أجمعين ، وفرض طاعته عليهم
وأمرهم أن لا يختلفوا عليه بعده ، وخبرهم أن ذلك عن الله عز وجل وقال لهم : ألست أولى
بالمؤمنين من أنفسهم قالوا ؟ بلى يا رسول الله ، قال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من
والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله . ثم أمر الناس أن يبايعوه فبايعه الناس
جميعاً ولم يتكلم منهم أحد ، وقد كان أبوبكر وعمر تقدما إلى الجحفة فبعث وردهما ، ثم قال
لهما النبي متهجماً : يا ابن أبي قحافة ويا عمر بايعا علياً بالولاية من بعدي ، فقالا : أمر من الله ومن
رسوله ؟ فقال : وهل يكون مثل هذا عن غير أمر الله ، نعم أمر من الله ومن رسوله . فقال : وبايعا
ثم انصرفا .
وســــار رسول الله ﷺ باقي يومه وليلته حتى إذا دنوا من عقبة هرشي تقدمه القوم ، فتواروا
في ثنية العقبة ، وقد حملوا معهم دباباً ، وطرحوا فيها الحصى .
فقال حذيفة : فدعاني رسول الله له ودعا عمار بن ياسر وأمره أن يسوقها وأنا أقودها ،
حتى إذا صرنا رأس العقبة ، ثار القوم من ورائنا ، ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة ، فذعرت
وكادت أن تنفر برسول الله له فصاح بها النبي الله أن اسكني ، وليس عليك بأس . فأنطقها الله
تعالى بقول عربي مبين فصيح فقالت : والله يا رسول الله له لا أزلت يداً عن مستقر يد ولا
رجلاً عن موضع رجل وأنت على ظهري ، فتقدم القوم إلى الناقة ليدفعوها فأقبلت أنا وعمار
نضرب وجوههم بأسيافنا ، وكانت ليلة مظلمة ، فزالوا عنا وأيسوا مما ظنوا ودبروا . فقلت : يا
رسول الله من هؤلاء القوم الذين يريدون ما ترى ؟ فقال : يا حذيفة هؤلاء المنافقون في الدنيا
والآخرة ، فقلت : ألا تبعث إليهم يا رسول الله رهطاً فيأتوا برؤوسهم ؟ فقال : إن الله أمرني أن
أعرض عنهم ، فأكره أن تقول الناس إنه دعا أناساً من قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا ،
فقاتل بهم حتى إذا ظهر على عدوه أقبل عليهم فقتلهم ! ولكن دعهم يا حذيفة فإن الله لهم
بالمرصاد ، وسيمهلهم قليلاً ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ فقلت : ومن هؤلاء القوم المنافقون
يا رسول الله ﷺ أمن المهاجرين أم من الأنصار ؟ فسماهم لي رجلاً رجلاً حتى فرغ منهم ، وقد
