تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
فإن قلنا : لا ينتزع من يده ، فلو كذب نفسه ، وقال : صدق المكاتَب في ادعاء الملك ، وإنما ناكدته فيما قلتُ ، فالمذهب أن ذلك مقبول منه ، وتصرفه نافذ ، بحسبه . وإن قلنا : الحاكم يزيل يده ؛ فالظاهر أنه لو كذّب نفسه ، لم يقبل منه . 12528 - ومما يليق بهذا الفصل أن المكاتب لو جاء بالنجم عند محله ، فالسيد مجبر على قبوله : كما قدمناه ، ولو امتنع عن القبول ولم يبرئ ، قَبَضَ القاضي عنه . ولو جاء بالنجم قبل محله ، ولم يكن للسيد غرضٌ في الامتناع عن القبول ، فهو مُجبر على القبول ، واختلف القول في سائر ديون المعاملات إذا كانت مؤجلة ، فأتى بها من عليه الدين قبل المَحِل ، فهل يجبر مستحق الدين على قبوله ؟ فيه قولان تقدم ذكرهما في الأصول التي سبقت ، ونجمُ الكتابة مما يقطع القول فيه بالإجبار على القبول ، فقد رُوي : " أن سيرين كان مملوكاً لأنس بن مالك ، فكاتبه على مال عظيم ، فجاء بآخر النجوم معجلاً له على محله ، فأبى أنس أن يأخذ إلا يوم المحل ، فرفعه إلى عمر ، وقال : إنه يريد أن أموت فيأخذ مالي وولدي ، فقال عمر : تأخذه ، أو أضعه في بيت المال ، فأخذه أنس وعتق سيرين " ( 1 ) . ومعنى قول عمر أضعه في بيت المال ، أحفظه عليك وأقبضه عنك قهراً ، ولم يُرد أنه يصير مالاً للمسلمين . وعلى هذا لو غاب السيد ، فجاء المكاتب بالنجم قبل محله إلى الحاكم ، قبلَه الحاكم عن الغائب ، وحكم بعتق المكاتب . وهذا كله إذا لم يكن على السيد ضرر في أخذ المعجل ؛ فإن كان عليه ضرر في القبول ، لم يجبره على القبول مذهباً واحداً ، وذلك أن يكون الوقت وقتَ نهب وغارة ، ولو قبل ، خاف النهب ، فلا يكلفه التعرض للضرر ، اتفق الأصحاب عليه ، وإنما يُجبر على القبول تشوّفاً إلى تحصيل العتق إذا لم يكن على القابض ضرر ، ولو كان له غرض في ألا يقبل ، ولم يكن عليه ضرر ، فالغرض لا مبالاة به ، وحديث أنس شاهد فيه .
هامش
( 1 ) أثر سيرين رواه البيهقي في الكبرى ( 10 / 334 ، 335 ) .
نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 380 | عبد الملك الجويني / عبد العظيم محمود الدّيب