قال ذلك ، كان فضولاً ؛ فإن إنكاره انطبق على مضادة الدعوى ، فإن المدعي أثبت في دعواه عشرة ، والمدعى عليه أنكر العشرة ، ثم قال القاضي : إذا آل الأمر إلى تحليفه ، حلّفه لا تلزمه العشرة ولا شيء منها .
وهذا الذي ذكره في التحليف مستقيم ، والذي ذكره أولاً من الاكتفاء بإنكاره عشرة [ وهمٌ ] ( 1 ) عظيم ، وما بناه عليه من انطباق الجحود على مضادة الدعوة فزللٌ بيّن ؛ فإن ( 2 ) من ادعى عشرة ، فقد ادعى استحقاق أجزاء العشرة ذرة ذرة ، وإذا قال المدعى عليه : لا تلزمني العشرة ، فمن الممكن أن العشرة لا تلزمه ، وتلزمه العشرة إلا حبة ، فنَفْي العدد ليس نفيا لآحادها ، وليس ما ذكرناه تأويلاً ، بل القول متردد فيما دون العشرة ، وليس فيما دون العشرة ذكر في إنكاره ، وهي مثبتة في الدعوى ، فالإنكار ليس بتامٍّ ، فكأنه لم ينكر إلا أقل جزء من العشرة ، فإذا لم يتم الإنكار ، فلا نأخذ في التحليف ؛ فإن امتنع عن المزيد على هذا القدر ، فهو في حكم الساكت عما دونه ، وقد مضى تفصيلُ السكوت وتقديرُه إنكاراً ثم نكولاً ، هذا هو الذي لا يجوز غيره .
والظن بالقاضي أنه لا يخالف فيما ذكرناه . وإنما صوّبى المسألة في اقتصاره على نفي العشرة ، وامتناعه عن ذكر ما دونها ، فإن حلّفناه لا تلزمه العشرة ، ولا شيء منها ، فإن نكل ، رددنا اليمين على المدعي ، فيحلف ويستحق ، وإن حلف المدعى عليه ، انتهت الخصومة في هذا الفن .
فإن حلف لا تلزمه عشرة ، وامتنع عن الحلف على نفي ما دون العشرة ، فيحلف المدعي على ما يقل عن العشرة بأقل القليل ؛ فإنه نكل عما دون العشرة ، والعشرة إلا حبة دون العشرة ، وهذا في نهاية اللطف .
فإن قال قائل : من يلزمه دينار ، فقوله : لا تلزمني العشرة سديد ، ومن تلزمه تسعة ، فقوله لا تلزمني العشرة سديد ، فلم جعلتموه ناكلاً عن عشرة إلا أقلَّ القليل ؟
هامش
( 1 ) في الأصل : " دراهم " مكان لفظ " وهم " وهو تصحيف طريف ، والتصويب من ( ت 5 ) .
( 2 ) ت 5 : " فأما " .