تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
الشهادة ، ولتكن الشهادة في ترجيح الثقة كالرواية في أصل الثقة . والقائل الأول يقول : التعبد في الشهادات أغلب ، بدليل أن العدل الواحد قد يعدل في الثقة جمعاً في الرواية لاختصاصه بمزيد التثبت والورع ، ولا تقوم الحجة بقول عدل واحد في الشهادات . وخرّج أصحابنا التفاوت في الورع والتثبت بين البينتين على وجهين ، كما ذكرناه في التفاوت في العدد ، وهذا قياس سديد كالرواية ، فكانا في الجديد لا نلتفت إلى طرق الترجيح الجارية في الرواية ، وفي القديم نتمسك بما يرجح الرواية . ثم إذا كانت كل بينة بحيث لو انفردت ، لاستقلت ، ولو شهد عدلان من جانب ، وهما على المنصب الأعلى في الثقة والتثبت ، وشهد في مناقضتهم عشرة مثلاً من أوساط العدول ، فيتعادل الورع ومزية التثبت مع زيادة العدد ، ويجب على القاضي أن ينظر بينهما نظر المجتهد بين خبرين يُرويان على هذا الوجه ، إذا فرعنا على القديم . وأما إذا فرعنا على الجديد ، فلا حاجة إلى هذا . وقد أطلق الأصحاب أقوالهم بأن الرجلين الشاهدين في معارضة الرجل والمرأتين ، وليس يبعد عندي إذا فرّعنا على القديم أن نرجح الرجلين ؛ بدليل أن من أقام رجلاً شاهداً وحلف معه في المال أمكنه ذلك ، ولو أقام امرأتين وأراد أن يحلف معهما لم يجز . والذي بقي في الفصل فرضُ بيّنتين من خارج وداخل ، مع اختصاص إحداهما بما يقع الترجيح به تفريعاً على القديم ، فإذا فرعنا عليه نظرنا ؛ فإن كان ما يوجب الترجيح في بينة صاحب اليد ، فلا إشكال ؛ فإن بينته رجحت باليد وغيرها ، وإن كان في جانب الخارج كثرة في الشهود ، أو اتصاف بمزية الورع ، فقد اختلف أصحابنا - والتفريع على القديم - فمنهم من يحكم باستواء البينتين لاعتضاد إحداهما باليد ، واختصاص الأخرى بالمزية التي ذكرناها . ومن أصحابنا من قدّم اليد على كل ترجيح ؛ فإن اليد مشاهدةٌ محسوسة ، والأسباب التي يقع الترجيح بها غايتها مزيد تغليب ظن في أمر لا يُحسّ ، وذلك مفرع على الترجيح .
نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 108 | عبد الملك الجويني / عبد العظيم محمود الدّيب