تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
محل القولين الأولين في التهاتر والاستعمال . وحاصل القول في هذا يستدعي ذكرَ ثلاثِ صور : إحداها - أنه إذا ادعى كل واحد الشيءَ على وجهٍ يمكن تقدير صدق البينتين على ذلك الوجه على الجملة ، وإن كانتا على التناقض في المعنى ، وذلك بأن يقال : لعل شخصاً مالكاً أوصى لزيد بجميع هذه الدار ، وسمع شهودُه ذلك ، وأوصى ذلك الشخص بجميع الدار للمدعي الآخر ، وسمع شهودُه ذلك ، وأقام كل واحد منهما شهودَه . ولم يَشْعر شهودُ زيد بالوصية لعمرو ، ولا شهودُ عمرو بالوصية لزيد ، فيقرب تأويل الصدق على هذا الوجه . هذه صورة . والصورة الثانية - أن تقع الشهادتان على وجه يبعد تأويل تصديقها ، وهو مثل أن تشهد إحداهما لمقيمها بالشراء من شخص ، وتشهد البينة الثانية لمقيمها بالشراء من ذلك الشخص مع اتحاد التاريخين ، فتأويل الاجتماع على التصديق بعيد ، وكذلك إذا أسند كلُّ بيّنةٍ الملكَ في البهيمة المدّعاة إلى وقوع نتاجها في ملك المدعي ، والنتاج مما لا يتكرر ( 1 ) ، فلا يحتمل صدق البينتين بوجه ( 2 ) . والصورة الثالثة - أن تقع البينتان على التكاذب قطعاً من غير خيال . وذلك بأن تشهد إحداهما على قتل شخص في وقت وحزّ رقبته ، وتشهد الأخرى على بقائه حياً متصرفاً في ذلك الوقت وبعده ، ويقرب من هذا النتاجُ . والغرض أنهما إن تكاذبتا قطعاً ، فمن أصحابنا من قطع بالتهاتر ، ومنهم من أجرى القولين ، وإن احتمل تأويلاً - كما ذكرناه في الوصية - فالقولان في التهاتر والاستعمال جاريان . فإن قيل : هلاّ قطع قاطعون بالاستعمال ؟ قلنا : لم يقطع به أحد ؛ لأن البينتين في ظاهرهما متناقضتان ولا تَرجُّح ، وتعارضُ الظاهرين إذا لم يترجح أحدهما في الظهور والبعد عن التأويل كتعارض النصّين ، والتأويل لا يتطرق إلى واحدة منهما . هذا وجهٌ في التصرف . والوجه الثاني - أن الأقوال الثلاثة في كيفية الاستعمال تجري حيث يمكن جريانها ، وقد يتعذر جريان بعضها ، فليكن إجراؤها على حسب التصور ، وقد قال الأئمة : إن
هامش
( 1 ) ت 5 : " مما لا يتأبد " . ( 2 ) المراد نتاج عامٍ محدّد ، فلا يحتمل الصدق أن يكون النتاج في يد كل منهما في الوقت نفسه .
نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 105 | عبد الملك الجويني / عبد العظيم محمود الدّيب