تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
واحداً ، وإنما محل التردد فيه إذا لم يُحِط القاضي ببواطن أمور الشهود . 11904 - ومما نرى ذكره على الاتصال بهذا أن الشهود لو كانوا عدولاً أو زكّاهم المزكّون - كما سنصف إن شاء الله - فارتاب القاضي لنظرٍ له في الواقعة ، وخيالٍ قد يُدركه الفطن . قال الشافعي : في هذه الحالة إذا ارتاب القاضي بحال الشهود ، فرّقهم ، ويسأل كلَّ واحد منهم على حدته : يسأله عن المكان الذي تحمَّلَ فيه الشهادة ؛ والوقتِ الذي تحمَّل فيه الشهادة ، وعمن كان معه . وهو في هذا كله يبغي الاستدلال على عورةٍ - إن كانت - وليس ما ذكرناه استظهاراً محبوباً ، بل هو حتم . ثم ليس على الشهود أن يذكروا المكان والزمان ، وإنما ينفع ما ذكرناه مع الأغبياء وذوي الغِرّة ، فأما الفقهاء إذا روجعوا لم يزيدوا على إعادة الشهادة ، ولو قالوا : لا نذكر الزمان والمكان ، ولكنا نتحقق ما شهدنا به ، فليس للقاضي - والحالة هذه - أن يجبرهم على التعرض لما ذكرناه ، ولكن لو بقيت ريبة القاضي وازداد ارتياباً من إصرار الشهود على ترك ما يراجَعون فيه ؛ فللقاضي أن يبحث عن جهات أخرى ، فعساه يطَّلع على مطعن ، فإن لم يكن ، تحتم عليه إمضاء القضاء ، مع انطوائه على الريبة لقيام البيّنة العادلة . فإن قيل : لو ابتدر القضاء والإمضاء ؟ قلنا : لم ينفذ قضاؤه ؛ فإن حقه ألا يقضي إلا بعد بذل المجهود في التبيّن وطلب غلبة الظن . فإذا وضح ذلك ، فالبحث عند الارتياب من حق الله أيضاً ، لا يتعلق بطلب الخصم ، لما ذكرناه في أصل الاستزكاء . نعم ، قد يكون قول الخصم سبباً في وقوع الريبة ، فإذا وقعت ، شمّر لإزالتها ، طلبَ الخَصْم إزالتها ، أو لم يطلب . فهذه مقدمة في أصل التزكية . 11905 - ثم إنا نذكر بعدها مراسمَ الحكم في الاستزكاء بكَتْب الرقاع إلى المزكين ، فليأخذها الناظر على وجهها ، والفقه وراءها ، فمِنْ رَسْم القضاة أن يكتبوا إلى المزكي حِلْيَة الشهود ، ويرفعوا في أنسابهم ، ويذكروا أسماء آبائهم وأجدادهم ،
نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 481 | عبد الملك الجويني / عبد العظيم محمود الدّيب