تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
وإن جوزنا نقلَ الصدقة والنذرُ مخصوص لفظاً بأهل البلدة المعينة ، ففي جواز النقل على هذا القول وجهان : أحدهما - أن النقل ممتنع ، وإن جاز نقل الصدقة ، تعلقاً باللفظ وموجبه ، وليس في ألفاظ الشارع ما يخصص صدقة الرجل بأهل بقعة ، والأخبار التي يتعلق بها من يمنع النقل عُرضةٌ للتأويل ؛ إذ لو كانت نصوصاً ، لوجب اتباعها ، واللفظ القابلُ للتأويل إذا أوّله محقق ، واعتضد في التأويل بالدليل ، فيصير الظاهر مع ما ذكرناه كالمجمل ، ولفظ الناذر في مسألتنا نص صريح غير قابل للتأويل . والوجه الثاني - أن النقل جائز ؛ فإن المنذور يتعلق بحقوق الله تعالى ، وليس لمن يلتزم حقوق الله تعالى تحكم فيه ، والذي يعضد ذلك أنه لا قربة في تخصيص أهل بلدة ، وما يبعد عن مسالك القربات ، فذكره لغو في النذور - ولم يختلف الأصحاب في أن ما يقيد بالحرم يتقيد به ؛ فإنه محل الهدايا ، ونهايات القُصود في التقرب بالهدايا أن تبلغ الحرم ، كما قال تعالى : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } [ المائدة : 95 ] . فصار تبليغها وتفريقها على أهلها من الصفات التي تقتضي مزية في القربة . فيخرج منه أن التقييد وإن كان نصّاً لغو . ولو قال الرجل : لله علي أن أتصدق على زيد هذا ، وكان فقيراً فتعيّنه يُخرَّجُ على تَعيُّن أهل البلدة . ثم مهما ( 1 ) أبطلنا تقييده ، فقد يخطر للفقيه أن النذر يبطل ، ويعارضه أن الشرط يبطل ، والقُربة تثبت ، وهذا يظهر في النذور جدّاً ، ويجوز أن يقال : لا يثبت النذر ، لا لفساده بفساد شرط مقترن به ، ولكن لأن ما التزمه لم يلزمه ، وهو لم يلتزم إلا التصدق على زيد أو على أهل البلدة التي عينها ، فإن قلنا : لا تتعين البلدة لتفرقة اللحم ، فلا تتعين لإراقة الدم فيه ، بخلاف الحرم ؛ فإن الشرع جعله منحر الهدايا ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو بمنى : " هذا المنحر ، وكل فجاج مكة منحر " ( 2 ) .
هامش
( 1 ) مهما : بمعنى : ( إذا ) . ( 2 ) سبق هذا الحديث في الحدود .