تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
وأما إذا أقام الشيخ ( 1 ) الزيارة مقام الصلاة والاعتكافَ ، فقياسه أنه لو تصدق في مسجد المدينة ، أو صام يوماً أنه يخرج عن موجَب نذره ، ويجوز أن يقال : الزيارة تنفصل عما ذكرناه لكون المزور في رقعة المسجد ، فهو مختص من هذا الوجه . ومما نفرعه في نذر إتيان المسجدين أنا إذا قلنا : يكفي الإتيان المجرد ، فليت شعري - ماذا يقول صاحب هذا الوجه إذا أتى باب المسجد وانصرف ؟ فإن قال : يكفيه ذلك ، فهذا بعيد ؛ فإن إتيان المسجد والانصراف عنه على هذا الوجه ليس بقربة ، ولا يبعد أن يُلحق بأصناف العبث ، وإن قال هذا القائل : لا بد من دخول المسجد ، فالدخول من غير قصد الاعتكاف ليس بقربة ، وقد ورد النهي عن [ إطراق ] ( 2 ) المساجد من غير حاجة ، وإن شرط ضمَّ الاعتكاف ، فقد أبطل قاعدة مذهبه في الاقتصار على إتيان المسجد ، وتبين بهذا الخبط فسادُ أصل الوجه - ولا يبقى إلا أن يقول صاحب هذا الوجه الضعيف : إتيان المسجد تقرب وتبرك ، واستجلاب يُمن ، وهذا نازل منزلة زيارة العلماء ، وهذا بعيد . وإن تعلق بقصد الاعتكاف ، فقد صرح بنقض مذهبه . ومما فرّعه الشيخ في الشرح أن قال : إذا أَلْزمنا إتيان المسجدَيْن بالندر ، فلو نذر إتيان أحدهما ماشياً ، ففي التزامه وجهان ، بناهما الشيخ على التزام المشي قبل الميقات ، ووجه البناء أن كلا المشيين وإن لم يقع في عبادة ؛ فإنه واقع في القصد إلى بقعة معظمة . ولو نذر أن يصلي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو في مسجد إيلياء ، فالذي قطع به المراوزة أن النذر مُلزِم قولاً واحداً ؛ فإنه التزم قربة ، وصرح بالتزامها ، وضم إليها مزيّةً تُعظِّمُها ، فكان ذلك كالتزام الجماعة في الصلاة المنذورة . وذكر العراقيون ما ذكرناه ، وطريقة أخرى - وهي إجراء القولين في هذه الصورة . فهذا ما أردنا أن نذكره في سائر المساجد إذا نذر الناذر إتيانها .
هامش
( 1 ) المراد الشيخ أبو علي ، وقد مضى قوله هذا آنفاً . ( 2 ) في الأصل : " أطراف " .
نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 433 | عبد الملك الجويني / عبد العظيم محمود الدّيب