تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
11854 - ونحن بعد ذلك نذكر نذرَ إتيان الحرم . فنقول : إن حكمنا بأن إتيان الحرم من غير نذر يوجب نسكاً ، وقلنا : المطلق في النذر يتقيد بواجب الشرع ، فإذا نذر الناذر إتيانَ مكة أو إتيان الحرم ، يلزمه أن يأتيَ الحرم ناسكاً بحج أو بعمرة ، وإن قلنا : ليس على من يأتي مكةَ إحرام ، أو قلنا : الملتزَم بالنذر لا يتقيد بواجب الشرع ، فكيف حكم النذر في هاتين الصورتين ؟ أما الصورة الأولى - وهي إذا وقع التفريع على أن من يأتي مكة لا إحرام عليه ، فإذا نذر إتيان مكة ، كان كما لو نذر إتيان مسجد المدينة ، أو مسجد القدس ، وقد مضى التفصيل فيه . ولكنا إن أوجبنا هاهنا الإتيان ، وفرّعنا على ضم قُرْبة إلى الإتيان ، فمن أصحابنا من قال : تلك القربة حج أو عمرة ، فإنهما يختصان بالحرم ، ومن أصحابنا من قال : تلك القربة الصلاة ؛ تعلقاً بالحديث الذي رويناه ، ومنهم من خيّر ، ولا يتجه ذكر الاعتكاف على التعيين ؛ لأنه لا يختص . وإن سلكنا مسلك الاختصاص ، فالنسك أخص ، ولو ذكر ذاكرٌ الطواف المجرد لم يبعد ، والمخيِّر يخيِّر بين النسك ، والاعتكاف ، والطواف والصلاة . ولو عين بقعة من بقاع الحرم لا يتعلق به نسك كدار الخيزران ودار أبي جهل ونحوهما ، فهو كما لو نذر إتيانَ مكة أو إتيانَ الحرم . ولو قال : لله علي أن آتي بيتَ الله تعالى ، فقد اختلف أصحابنا في المسألة : فمنهم من قال : لا يلزمه شيء ؛ لأن هذا الاسم لا يختص بالكعبة ، وكل مسجد يشار إليه ، فهو بيت الله . ومن أصحابنا من قال : يُحمل مطلقُه على الكعبة ؛ لجريان العرف بإطلاقه والمراد به الكعبة ، والأصح الأول . ولو نوى بذكر بيت الله الكعبةَ ، نُزِّل لفظُه على نيته ، وكلامنا في اللفظ المطلق . 11855 - ولو نذر إتيان عرفة ، فالذي قطع به أئمتنا في الطرق أنه لا يلتزم بهذا شيئاً ؛ فإن عرفة من الحل ، وليس في إتيانها قُربة ، وإنما الوقوف بها ركن من عبادة ، فذِكْرُ مكان ذلك الركن لا يُلزم شيئاً .
نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 434 | عبد الملك الجويني / عبد العظيم محمود الدّيب