ومن أصحابنا من قال : لا يحنث إذا لم يكن الفراق من جهته ، وهذا بعيد وإن كان مشهوراً في الحكاية ؛ إذ لا خلاف أن هذا لا ينزل منزلة قول القائل : " والله لا نتناظر " ؛ فإنه لو نزل هذه المنزلة ، لاشترط في تحقيق الحنث أن يتفرقا بأبدانهما حتى يقال : على موجبه لو فارق الحالف ، ومكث الغريم ، لا يحنث ؛ فإن قيل : إنه يحنث مذهباً واحداً ، تبين بذلك انفصال التفرق والافتراق عن التناظر لو فُرِضَ محلوفاً عليه .
هذا مقصود الفصل .
11799 - ثم وصل الأصحاب بذلك صُوراً تستند إلى الأصول المقدمة ، فقالوا : إذا حلف لا يفارق غريمه ، فقضى القاضي بفَلَس الغريم ، وألزم الحالفَ مفارقته ، فهذا يلتحق بوجود المحلوف عليه على صفة الإكراه ، وفيه القولان ، ولو فَلَّسه الحاكم ، أو تحقق للحالف فَلَسُه ، ورأى ملازمته محظورة ، وما ألزمه القاضي مفارقته ، فإذا فارقه ، حَنِث ، ولا نجعل علمَه بفَلَسه بمثابة ما لو أجبر على مفارقته .
ولو حلف كما وصفنا ، فاستوفى في ظاهر الحال حقّه ، وكان دراهم ، فتبيّن أنها مستحقة ، أو خرجت زُيوفاً ، فهذه مفارقة قبل استيفاء الحق ؛ فإن كان عالماً ، فهو حانث ، وإن كان جاهلاً بحقيقة الحال ، ففي المسألة قولان مأخوذان من الجهل والنسيان .
ولو حلف لا يفارق حتى يستوفي حقه ، فاعتاض عن حقه عوضاً وفارق ، فقد نقل المزني عن الشافعي أن العوض الذي أخذه إن كان يساوي مقدار حقه ، لم يحنث ، ثم أخذ يعترض ويقول : أخذ عوض حقه ولم يأخذ حقَّه ، واليمين معقودة على استيفاء الحق ، وقد أجمع الأصحاب على أن المذهب ما ذكره المزني ، والحالف يحنث ، ثم اتفقوا على أن الخلل جاء من جهته ، والشافعي حكى ما ذكره مذهباً لمالك ( 1 ) ، ولم يقل به ، ولم يصر إليه .
هامش
( 1 ) ر . الإشراف : 2 / 891 مسألة 1768 و 2 / 984 مسألة : 1996 ، عيون المجالس : 4 / 1595 مسألة 1123 .