تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
{ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا } [ النحل : 14 ] فهذا بين ، فأما البيت ، فهو في وضع اللغة حقيقةٌ في بيت الشعر وما في معناه ، ومنه شبه الخليل بن أحمد ( 1 ) بيت الشِّعْر ببيت الشَّعَر وقطعه في العَروض على الأسباب والأوتاد ، والفواصل والفواضل ( 2 ) المقرونة والمفروقة ( 3 ) ، فشيوع البيت في الأخبية والخيام ظاهر في اللغة ، وهو مأخوذ من بات يبيت ، وهو الموضع الذي يبات فيه ، فإذا تمهّد هذا في اللسان ، فإذا أطلقه من يغلب منه إرادة بيت الشعر ، فقد [ اجتمع ] ( 4 ) الوضعُ وغلبةُ الإرادة ، فحمل مطلق اللفظ عليه . وإذا نطق القروي ، فحكم اللسان ما ذكرناه ، ولكن الغالب أنه يريد بالبيت البيوتَ المعروفة المبنية ، فإن نواها ، نزل لفظه على نيته ، وإن أطلق اللفظ ، انقدح فيه مسلكان : أحدهما - أن يقال : لا يطلق اللفظ إلا عن قصد ، ولعله ذَهل عنه بعد ما صدر منه ، والقصد اللائق به الكلامُ على المتعالَم المتعارف في المكان الذي هو ساكنه ، فعلى هذا يحمل على بيوت المدر . والمسلك الثاني - أن يقال : إذا قال : لم يكن قصدٌ ، فقد قصد إلى اللفظ ، ولم يُنزله على شيء فأُخذ باللفظ ونحن إنما نُزيل وضعَ اللفظ بالقصد ، فإذا لم يوجد منه قصد إلى ما يزيل اللفظ واللفظ صريح ، كان مؤاخذاً باللفظ ، وكأنه حلف على معنى اللفظ . ولو قال الرجل : والله لا آكل ما يسمّى تفاحاً ، وكان لا يدري التفاح ، انعقدت يمينه على ما يُسمّى تفاحاً ، وعلى هذا إذا قال : لا آكل اللحم ، فلحم الحيتان خارج ، والتحقيق أنه لحم ، ولكنه خرج عن عرف اللسان وأحَدٌ لا يترك العرفَ في اليمين ، ولكن الكلام في أن المرعي عرف اللفظ ، أو عرف اللاّفظ .
هامش
( 1 ) الخليل بن أحمد الفراهيدي : إمام العربية ، وواضع علم العروض ، مذكور في الروضة ، توفي بالبصرة سنة 170 ه‍ ( تهذيب الأسماء واللغات : 1 / 177 ) . ( 2 ) الفواضل هي الفواصل ( كشاف اصطلاحات الفنون : باب الفاء فصل اللام ) . ( 3 ) لا يحتاج إلى شرح ما أراده الإمام من بيان وجه الشبه بين بيت الشَّعْر وبيث الشِّعر ؛ فكل من لديه أدنى إلمام بمبادىء علم العروض يدرك ذلك . ( 4 ) في الأصل : " احتمل " .
نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 343 | عبد الملك الجويني / عبد العظيم محمود الدّيب