تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
ثم قام يجمع أمتعته وشمَّر في نقلها ، والانتقالِ معها ، فالذي ذكر المراوزة أنه لا يحنث ، والذي ذكره العراقيون القطعُ بتحنيثه ، وقالوا : إن أراد البرّ ، فليبتدر خارجاً ، ولْيكل نقلَ الأمتعة إلى مستناب يثق به ، وهذا نقلناه على ثبت وثقةٍ ، واستقراءِ نُسَخٍ . ووجه ما ذكره العراقيون بيّن ، ووجه ما قطع به المراوزة أن السكون ( 1 ) ليس الكون نفسه ، وإنما هو ركون إلى الكون ، أو تمهل وانحلال من غير تشمير للاشتغال بالانتقال ، فإذا ابتدر النقلَ والانتقالَ سُمّي كائناً في الدار ، ولم يُسمَّ ساكناً فيها ، والدليل عليه أنه لو ابتدَرَ الخروج والمفارقة من صدر الدار الفيحاء ، فقد يحتاج معها إلى خطوات ، وهو معها كائن في الدار ، ولا احتفال بها ؛ فإنه لا يُسمى في تخطّيه ساكناً ، ولا يكلف أيضاً خروجاً عن العادة في العدو والهرولة ، ولا يقال : من حلف كذلك ، فقد ربط برّه بمستحيل . ولو قال : والله لأخرجن في لمحة عين ، وأراد تحقيق الوفاء بهذا ، ثم لم يتمكن منه ؛ فإنه يحنث ، كما لو قال : لأصعدنّ السماء ، فإذا لم يؤاخذ بهذه الدقائق ، تبين أن اليمين منزلةٌ على ترك الرّكون إلى السكون ، واستشهد الأئمة بما هو مبني على الفور ، كالرد بالعيب ، ثم من اطلع على عيب ، فاشتغل برفع صاحبه إلى مجلس القاضي ، فلا يعد مقصراً مؤخِّراً ، كما بيناه في موضعه . وسرّ كلام المراوزة يُتلقى من الأصل الذي جعلناه قاعدة الباب ؛ فإن الحالف لو زعم أنه نوى أمراً ، فإن قوله منزل على ما نواه وما يتصور فيه التورية فيه متسع على النهاية ، فإذا قال : لم أنو ، فلا محمل له إلا أنه قصد أمراً ، ثم ذَهِل عنه ، والغالب أنه [ لم يقصد ] ( 2 ) إلا ما يقصد مثله في العرف ، وتجويز ما لا يجري في التعارف لا حكم له ؛ إذ لا نهاية للممكنات ، فالوجه التنزيل على ما ذكرناه ، وسيتضح هذا ، إن شاء الله تعالى بالمعاودات وتكرير التقرير في المسائل ، إن شاء الله .
هامش
( 1 ) السكون : أي السَّكن في الدار . ( 2 ) في الأصل : " لا يقصد " .
نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 333 | عبد الملك الجويني / عبد العظيم محمود الدّيب