8194 - فأما إذا كانا على ملتين مختلفتين ، فإذا ترافعوا إلينا ؛ فالذي ذهب إليه معظم الأئمة : أنه يجب ( 1 ) على الحاكم الحكم عند اختلاف الملل ، والسبب فيه أنا لو لم نوجب ذلك ، لبقيت الخصومة [ ناشبة ] ( 2 ) بينهم ؛ فإن كل واحد من الخصمين المختلفين في الدين لا يرضى بحكم حاكم أهل دين خصمه ، فيفضي ذلك إلى اشتجارٍ في ديار الإسلام ، لا قاطع له ، ولا فيصل فيه .
وذكر العراقيون هذه الطريقة وارتضَوْها ، وذكروا طريقة أخرى [ هي ] ( 3 ) إجراء القولين في الخصمين المتعلقين بملتين : أحدهما - أنه لا يجب علينا الحكم كما لا يجب بين متفقي الملة .
ومما يجب التنبه له أن من فرّق بين المتفقَيْن [ والمختلفَيْن ] ( 4 ) عوّل في الفرق على أن المختلفَيْن قد لا يجتمعان على حاكم ، فيؤدي ذلك إلى أن تبقى الخصومة فاشية ( 5 ) ، وهذا لا يتحقق بين المتفقَيْن .
وفي ذلك فضل نظر ، وهو أنه إذا لم يكن لأهل الذمة في بلدة الخصومة حاكم ، فما قرره الأصحاب من دوام الخصام في المختلفَيْن يتحقق هاهنا ، فيلزم على موجَب ذلك أن يجب على حاكمنا الحكم إذا لم يكن لهم حاكم ، وكذلك إذا كان لهم حاكم وامتنع أحد الخصمين ، فيجب أن يقال : يتعين على حاكمنا أن يحكم ؛ إذ يبعد أن نلزمهم حكم الكفر [ ونكون ] ( 6 ) وزير حاكمهم حتى يُعدي من جهته . ومن تأمل ما نبهنا عليه ، استبان ضعف القول إنه لا يجب علينا الحكم بينهم .
هامش
( 1 ) وقال النووي : إن وجوب الحكم هو المذهب . ( ر . الروضة : 7 / 154 ) .
( 2 ) في الأصل : " ناشية " . وكأنها محرفة عن " فاشية " والمعهود في وصف الخصومة هو " ناشبة " . والله أعلم .
( 3 ) في الأصل : " في " وهو تصحيف واضح .
( 4 ) في الأصل : والمتخلفين .
( 5 ) التعبير بلفظ ( فاشية ) أنسب هنا من ( ناشبة ) ؛ فهناك ( ناشبة ) بين الخصمين ، وهنا ( فاشية ) في المجتمع ، في ديار الإسلام . والله أعلم .
( 6 ) في الأصل : " ويلون وزير حاكمهم " والمثبت من تصرف المحقق على ضوء السياق والسباق . وبمثله جاءت ( صفوة المذهب ) .