ووجه المنع أن النصاب لا يمكن الاطلاع عليه ما لم تحصل التنقية ، ونصاب سائر الأموال الزكاتية يمكن إدراكه .
قلت : إن لم يكن من هذا الوجه بد ، فلعله فيه ، إذا كنا لا نقطع بأن في السنبلة نصاباً من الحب ، فقد ينتظم أن يقال : لم يتحقق النصاب ، وهو الأصل ، وأما إذا تحققنا أن السنابل مشتملة على أكثر من النصاب ، فلا وجه لمنع تعجيل العشر . هذا بعد اشتداد الحب ، وإدراكه . أما إذا ظهر الحب واشتد ، ولم يُدرك ولم يُفْرِك بعدُ ، فاشتدادُ الحب يناظر بدوّ ( 1 ) الزهو والصلاح في الثمار ، فأما إذا اشتد الحب وبدا الزهو ، فمن الاشتداد إلى التنقية ، ومن الزهو إلى الجفاف على الجرين ( 2 ) وجهان ، في جواز التقديم : أحدهما - يجوز ، وهو القياس .
1916 - ومن عجيب ما يجب التفطن له أن الأئمة أطلقوا القول بأن الزكاة تجب باشتداد الحب ، وبَدْوِ ( 3 ) الزهو ، كما سيأتي ذلك في بابهما ، ثم ترددوا في تعجيل الصدقة ، والتعجيل يقع قبل الوجوب . وهذا اختلاف في التعجيل بعد الوجوب ، والسرّ فيه أنا وإن قلنا بوجوب الصدقة بعد الصلاح ؛ فإنا لا نوجب إخراجها إلى التنقية والتجفيف ، وفائدة الحكم بالوجوب منعُ التصرف في حق المساكين من الزرع والثمار ، فصار عدم إيجاب الإخراج قريباً مما قبل حلول الحول في المواشي وغيرها .
هذا مع أمرٍ آخر ، وهو أنه لو أخرج من الحب قبل التنقية ، ومن الرطب ( 4 ) ، لم يجز .
ثم قد يوجّه منعُ التقديم بأن مقدار النصاب لا يتبين على التحقيق قبل الإدراك ، والزروع والثمار متعرضة للآفات . والصحيح جواز تعجيل العشر .
هامش
( 1 ) في ( ت 1 ) : بدء .
( 2 ) الجرين : الموضع الذي يجمع فيه الثمر ليجفف ، والجمعُ جُرُن ، مثل بريد وبُرد . ( المصباح ) .
( 3 ) " بَدْو " : مصدر بدا بمعنى ظهر . وهو بهذا الوزن غير مألوفٍ ، ولكنه صحيح منصوصٌ في كتب اللغة .
( 4 ) " الرطب " : أي قبل التجفيف ، والصيرورة إلى التمر .