تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
عليه وسلم : " التراب كافيك وإن لم تجد الماء عشر حجج " ( 1 ) الحديث . وقد حكى شيخنا قولاً غريباً أن سقوط القضاء عن المتيمّم العادم للماء في السفر يختصّ بالسفر الطويل ، فلو فرض عدم الماء في السفر القصير ، وتيمّم المرء ، خرج
هامش
( 1 ) حديث : " التراب كافيك . . . " سبق الكلام عنه آنفاً . والذي نضيفه هنا هو أن السياق بهذه الصورة يوحي بأن أبا ذر سكن الربذة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمعروف المشهور ، والموثق بحديث زيد بن وهب في البخاري ، أنه خرج إلى الرّبذة في عهد عثمان رضي الله عنه ، ويمكن الجمع بين هذا وذاك بأن الخروج تكرر ، وأنه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، كان للرعي ، وليس للإقامة ، كما ورد في سياق الحديث الذي رواه أبو داود وأصحاب السنن عن أبي ذرّ : " اجتمعت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غُنَيمة ، فقال : يا أبا ذرّ ابدُ فيها [ أي اذهب بها إلى البادية ] ، فبدوت إلى الربذة " . وهذا يمكن أن نعتبره دليلاً آخر أو قرينة على أن خروج أبي ذرّ إلى الربذة ، في خلافة عثمان رضي الله عنهما ، كان باختياره رضي الله عنه ، وليس نفياً من عثمان ، حيث إن الربذة كانت معهودة من أبي ذرّ ، ومألوفة لديه . وإن كان الأمر لا يحتاج إلى دليل ، بعد أن جاء في حديث البخاري المشار إليه ، ما نصه : عن زيد بن وهب قال : مررت بالربذة ، فإذا أنا بأبي ذرّ رضي الله عنه ، فقلت له : ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال : كنت بالشام ، فاختلفتُ أنا ومعاوية ، في { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } [ التوبة : 34 ] ، فلما قدمت المدينة ، كثر عليّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك ، فذكرت ذلك لعثمان ، فقال لي : " إن شئت تنحيث ، فكنت قريباً " فذلك الذي أنزلني هذا المنزل . فهذا نصٌّ قاطع بأن أبا ذرّ اختار التنحي إلى الربذة باختياره . قال الحافظ في شرح الحديث : " وإذا سأله زيد بن وهب عن ذلك لأن مبغضي عثمان كانوا يشنعون عليه أنه نفى أبا ذرّ ، وقد بيّن أبو ذر أن نزوله هذا المكان كان باختياره " ا . ه - . بنصه . وهنا إشكال آخر ننبه عليه ، وهو أن ( الربذة ) كما حددها ياقوت ووصفها في معجمه ، لم تكن صحراء عديمة الماء ، بل هي - كما وصفها : " قرية من قرى المدينة ، وكانت من أحسن منزل في طريق مكة ، قريبة من ذات عرق " وهي التي كانت حمى لإبل الصدقة ، حماها عمر بنُ الخطاب رضي الله عنه ، فكيف يعدم أبو ذرّ فيها الماء ؟ والجواب أنه كان يُبعد بغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، طلباً للكلأ ، ( ر . تلخيص الحبير : 1 / 154 ، فتح الباري : 3 / 271 ح 1406 ، ومعجم ما استعجم للبكري ، ومعجم البلدان : مادة : ر . ب . ذ ) .