وَالتَّبْدِيلِ بِالمَحْوِ وَالإِثْبَاتِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ .
قُلْتُ : وَعَلَى تَسْلِيمِ وُقُوعِ المَحْوِ وَالإِثْبَاتِ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ؛ فَفِيهِ عِنْدِي إِشْكَالاَنِ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُمَا وَلَا لِلْجَوَابِ عَنْهُمَا :
الأَوَّلُ : أَنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَمِنْ أَنْ يُغَيَّرَ وَيُبَدَّلَ .
وَلَعَلَّ الجَوَابَ : أَنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ صَوْنِهِ وَحِفْظِهِ مِنْ أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ خَلَلٌ أَوْ فَسَادٌ مِنْ أَحَدٍ مِنَ المَخْلُوقَاتِ ؛ بَلِ اللهُ هُوَ يَمْحُو وَيُثْبِتُ ، أَلَا تَرَاهُ أَسْنَدَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ ، فَقَالَ : { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } وَإِلَّا فَهَذَا - أَيْضًا - يَرِدُ عَلَى مَنْ قَالَ : يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ؛ إِلَّا السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ وَنَحْوَهُمَا .
الثَّانِي : أَنَّهُ يَرُدُّ القَوْلَ بِالمَحْوِ وَالإِثْبَاتِ : مَا مَرَّ نَقْلُهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - لَمَّا خَلَقَ القَلَمَ كَتَبَ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ، وَالمُثْبَتُ بَعْدَ المَحْوِ لَمْ يُكْتَبْ إِلَّا بَعْدَ المَحْوِ ، فَيَلْزَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ مُقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ - حِينَئِذٍ - ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ .
قُلْتُ : هُوَ قَوِيٌّ ، وَلَعَلَّ جَوَابَهُ : أَنَّ المُثْبَتَ بَعْدَ المَحْوِ كَانَ مَوْجُودًا فِيهِ ، وَلَكِنَّ اللهَ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ المَلائِكَةَ إِلَّا بَعْدَ إِثْبَاتِهِ ، فَعَلَى هَذَا فَالمَحْوُ وَالإِثْبَاتُ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ بِحَسَبِ مَا يَتَرَاءَى لَهُمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ عِبْرَةً تَامَّةً وَحِكْمَةً بَالِغَةً مِنْ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - هُوَ المُتَصَرِّفُ فِي العَالَمِ التَّصَرُّفَ العَامَّ المُطْلَقَ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ .
إتحاف ذوي الألباب — صفحة 59
مساهمون: مرعي بن يوسف الكرمي
ص٥٩