مقدِّمة
في إِثْبات حقيقة القدر
اعْلَمْ - وَفَّقَكَ اللهُ تَعَالَى - أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الحَقِّ هُوَ الحَقُّ .
وَمَذْهَبُهُمْ : أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - قَدَّرَ مَقَادِيرَ الخَلْقِ وَمَا يَكُونُ مِنَ الأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فِي الأَزَلِ ، وَعَلِمَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهَا سَتَقَعُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهُ
- تَعَالَى - وَعَلَى صِفَاتٍ مَخْصُوصَةٍ ؛ فَهِيَ تَقَعُ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّرَهَا .
وَخَالَفَتِ القَدَرِيَّةُ ( 1 ) فِي ذَلِكَ - وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى مَذْهَبِهِمْ ( 2 ) - ؛ فَقَالُوا : إِنَّهُ - سُبْحَانَهُ - لَمْ يُقَدِّرِ الأَشْيَاءَ ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عِلْمُهُ بِهَا ، وَأَنَّهَا مُسْتَأْنَفَةُ العِلْمِ ؛ أَيْ : إِنَّمَا يَعْلَمُهَا - سُبْحَانَهُ - بَعْدَ وُقُوعِهَا ( 3 ) .
وَكَذَبُوا عَلَى اللهِ فِي قَوْلِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ بِالكِتَابِ
هامش
( 1 ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي « شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ » ( 1 / 154 ) : « وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْفِرْقَةُ قَدَرِيَّةً لِإِنْكَارِهِمُ الْقَدَرَ » .
( 2 ) كَالفَلَاسِفَةِ الَّذِين أَثْبَتُوا عِلْمَ اللهِ - تَعَالَى - لِلْكُلِّيَّاتِ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - عِلْمَ الجُزْئِيَّاتِ ، وَكَالمُعْتَزِلَةِ - الَّذِينَ هُمُ امْتِدَادٌ لِلقَدَرِيَّةِ - الَّذِينَ أثْبَتُوا العِلْمَ لَهُ - سُبْحَانَهُ - وَأَنْكَرُوا تَقْدِيرَهُ لِلأَشْيَاءِ .
( 3 ) أَوَّل مَا تُكُلِّمَ بِالقَدَرِ كَانَ بَعْدَ مُنْتَصَفِ القَرْنِ الأَوَّلِ الهِجْرِيِّ ، وَأَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ : هُوَ ( سَوْسَنُ ) وَيُكْنَى أَبَا يُونُسَ ، وَيُقَالُ لَهُ : سنْسَوَيْهِ وَسيسوَيْهِ - وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ - ، كَانَ نَصْرَانِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى دِينِهِ ، ثُمَّ أَخَذَ عَنْهُ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ ، وَأَخَذَ غَيْلَانُ عَن مَعْبَدٍ .
وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ هُمُ القَدَرِيَّةُ الأَوَائِلُ ؛ أَمَّا القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَأَثْبَتُوا العِلْمَ لِله
- تَعَالَى - ، وَلَكِنْ أَنْكَرُوا الخَلْقَ وَالإِرَادَةَ وَالمَشِيئَةَ - كالمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ - .