أحق من نظر في أمره ، وقد عتب عليك في فأعتبه . فولاه حرب خراسان ، فأتى سمرقند فخرج
إليه أهل الصغد من الترك فقاتلهم وهزمهم وحصرهم في مدينتهم ، فصالحوه وأعطوه رهنا خمسين
غلاما يكونون في يده من أبناء عظمائهم ، فأقام بالترمذ ولم يف لهم ، وجاء بالغلمان الرهن معه
إلى المدينة . وفيها دعا معاوية الناس إلى البيعة ليزيد ولده أن يكون ولي عهده من بعده ، - وكان
قد عزم قبل ذلك على هذا في حياة المغيرة بن شعبة - فروى ابن جرير : من طريق الشعبي ، أن
المغيرة كان قد قدم على معاوية وأعفاه من إمرة الكوفة فأعفاه لكبره وضعفه ، وعزم على توليتها
سعيد بن العاص ، فلما بلغ ذلك المغيرة كأنه ندم ، فجاء إلى يزيد بن معاوية فأشار عليه بأن يسأل
من أبيه أن يكون ولي العهد ، فسأل ذلك من أبيه فقال : من أمرك بهذا ؟ قال : المغيرة ، فأعجب
ذلك معاوية من المغيرة ورده إلى عمل الكوفة ، وأمره أن يسعى في ذلك ، فعند ذلك سعى المغيرة
في توطيد ذلك ، وكتب معاوية إلى زياد يستشيره في ذلك ، فكره زياد ذلك لما يعلم من لعب يزيد
وإقباله على اللعب والصيد ، فبعث إليه من يثني رأيه عن ذلك ، وهو عبيد بن كعب بن النميري
- وكان صاحبا أكيدا لزياد - فسار إلى دمشق فاجتمع بيزيد أولا ، فكلمه عن زياد وأشار عليه بأن لا
يطلب ذلك ، فإن تركه خير له من السعي فيه ، فانزجر يزيد عما يريد من ذلك ، واجتمع بأبيه
واتفقا على ترك ذلك في هذا الوقت ، فلما مات زياد وكانت هذه السنة ، شرع معاوية في نظم ذلك
والدعاء إليه ، وعقد البيعة لولده يزيد ، وكتب إلى الآفاق بذلك ، فبايع له الناس في سائر
الأقاليم ، إلا عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر والحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وابن
عباس ، فركب معاوية إلى مكة معتمرا ، فلما اجتاز بالمدينة - مرجعه من مكة - استدعى كل واحد
من هؤلاء الخمسة فأوعده وتهدده بانفراده ، فكان من أشدهم عليه ردا وأجلدهم في الكلام ،
عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، وكان ألينهم كلاما عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ثم خطب
معاوية وهؤلاء حضور تحت منبره ، وبايع الناس ليزيد وهم قعود ولم يوافقوا ولم يظهروا خلافا ، لما
تهددهم وتوعدهم ( 1 ) ، فاتسقت البيعة ليزيد في سائر البلاد ، ووفدت الوفود من سائر الأقاليم إلى
يزيد ، فكان فيمن قدم الأحنف بن قيس ، فأمره معاوية أن يحادث يزيد ، فجلسا ثم خرج
الأحنف فقال له معاوية : ماذا رأيت من ابن أخيك ؟ فقال : إنا نخاف الله إن كذبنا ونخافكم إن
صدقنا ، وأنت أعلم به في ليله ونهاره ، وسره وعلانيته ، ومدخله ومخرجه ، وأنت أعلم به بما
هامش
( 1 ) قال ابن الأثير في الكامل 3 / 510 : إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس
فأحمل ذلك وأصفح ، وإني قائم بمقالة فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة
غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه فلا يبقين رجل إلا على نفسه . ثم دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال :
أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين مع كل واحد سيف ، فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو
تكذيب فليضرباه بسيفيهما . وقال ابن الأعثم في فتوحه 4 / 247 : قال معاوية عزمت أن أتكلم على المنبر بكلام
والمبقي في ذلك الوقت إنما يبقي على نفسه من أهل الشام وأنتم أعلم وقد أعذر من أنذر .