تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
الخضراء ، وقيل بمقابر باب الصغير ، وعليه الجمهور فالله أعلم . وكان عمره إذ ذاك ثمانيا وسبعين سنة ، وقيل جاوز الثمانين وهو الأشهر والله أعلم . ثم ركب الضحاك بن قيس في جيش وخرج ليتلقى يزيد بن معاوية - وكان يزيد بحوارين - فلما وصلوا إلى ثنية العقاب تلقتهم أثقال يزيد ، وإذا يزيد راكب على بختي وعليه الحزن ظاهر ، فسلم عليه الناس بالامارة وعزوه في أبيه ، وهو يخفض صوته في رده عليهم ، والناس صامتون لا يتكلم معه إلا الضحاك بن قيس ، فانتهى إلى باب توما ، فظن الناس أنه يدخل منه إلى المدينة ، فأجازه مع السور حتى انتهى إلى الباب الشرقي ، فقيل : يدخل منه لأنه باب خالد ، فجازه حتى أتى الباب الصغير فعرف الناس أنه قاصد قبر أبيه ، فلما وصل إلى باب الصغير ترجل عند القبر ثم دخل فصلى على أبيه بعدما دفن ( 1 ) ثم انفتل ، فلما خرج من المقبرة أتى بمراكب الخلافة فركب . ثم دخل البلد وأمر فنودي في الناس إن الصلاة جامعة ، ودخل الخضراء فاغتسل ولبس ثيابا حسنة ثم خرج فخطب الناس أول خطبة خطبها وهو أمير المؤمنين ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : أيها الناس ! إن معاوية كان عبدا من عبيد الله ، أنعم الله عليه ثم قبضه إليه ، وهو خير ممن بعده ودون من قبله ، ولا أزكيه على الله عز وجل فإنه أعلم به ، إن عفى عنه فبرحمته ، وإن عاقبه فبذنبه ، وقد وليت الامر من بعده ، ولست آسى على طلب ، ولا أعتذر من تفريط ( 2 ) ، وإذا أراد الله شيئا كان . وقال لهم في خطبته هذه : وإن معاوية كان يغزيكم في البحر ، وإني لست حاملا أحدا من المسلمين في البحر ، وإن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم ولست مشتيا أحدا بأرض الروم ، وإن معاوية كان يخرج لكم العطاء أثلاثا وأنا أجمعه لكم كله . قال : فافترق الناس عنه وهم لا يفضلون عليه أحدا . وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : بعث معاوية وهو مريض إلى ابنه يزيد ، فلما جاءه البريد ركب وهو يقول : جاء البريد بقرطاس يخب ( 3 ) به * فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم ( 4 ) * قال الخليفة أمسى مثقلا وجعا ( 5 ) فمادت الأرض أو كادت تميد بنا * كأن أغبر من أركانها انقلعا ( 6 )
هامش
( 1 ) في فتوح ابن الأعثم 5 / 2 : صار إلى دمشق بعد ثلاثة أيام من مدفن معاوية . ( 2 ) في ابن الأعثم 5 / 8 ولست أقصر عن طلب حق ، ولا أعذر من تفريط في باطل . وانظر خطبة ليزيد بعد موت أبيه في العقد الفريد 2 / 142 و 2 / 250 . ( 3 ) في ابن الأعثم 5 / 4 : يحث به . ( 4 ) في الكامل لابن الأثير 4 / 9 والطبري 6 / 182 وابن الأعثم : كتابكم . ( 5 ) في الطبري وابن الأثير والعقد الفريد : مثبتا وجعا : وفي ابن الأعثم : مدنفا وجعا . ( 6 ) في الطبري وابن الأثير وابن الأعثم : انقطعا .