تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
وذكر أن رجلا سأل من معاوية أن يساعده في بناء داره باثني عشر ألف جذع من الخشب . فقال له معاوية : أين دارك ؟ قال : بالبصرة ، قال : وكم اتساعها ؟ قال : فرسخان في فرسخين ، قال : لا تقل داري بالبصرة ، ولكن قل : البصرة في داري . وذكر أن رجلا دخل بابن معه فجلسا على سماط معاوية فجعل ولده يأكل أكلا ذريعا ، فجعل معاوية يلاحظه ، وجعل أبوه يريد أن ينهاه عن ذلك فلا يفطن ، فلما خرجا لامه أبوه وقطعه عن الدخول ، فقال له معاوية ! أين ابنك التلقامة ؟ قال : اشتكى . قال : قد علمت أن أكله سيورثه داء . قال : ونظر معاوية إلى رجل وقف بين يديه يخاطبه وعليه عباءة فجعل يزدريه ، فقال : يا أمير المؤمنين إنك لا تخاطب العباءة ، إنما يخاطبك من بها . وقال معاوية : أفضل الناس من إذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر ، وإذا غضب كظم ، وإذا قدر غفر ، وإذا وعد أنجز ، وإذا أساء استغفر . وكتب رجل ( 1 ) من أهل المدينة إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه : إذا الرجال ولدت أولادها * واضطربت من كبر أعضادها وجعلت أسقامها تعتادها * فهي زروع قد دنا حصادها فقال معاوية : نعى إلي نفسي وقال ابن أبي الدنيا : حدثني هارون بن سفيان عن عبد الله السهمي حدثني ثمامة بن كلثوم أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال : أيها الناس ! إن من زرع قد استحصد ، وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد بعدي خير مني ، وإنما يليكم من هو شر مني ، كما كان من وليكم قبلي خيرا مني ( 2 ) ، ويا زيد إذا دنا أجلي فول غسلي رجلا لبيبا ، فإن اللبيب من الله بمكان ، فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير ، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراضة من شعره وأظفاره ، فاستودع القراضة أنفي وفمي ، وأذني وعيني ( 3 ) ، واجعل ذلك الثوب مما يلي جلدي دون لفافي ، ويا يزيد احفظ وصية الله في الوالدين ، فإذا أدرجتموني في جريدتي ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وأرحم الراحمين . وقال بعضهم : لما احتضر معاوية جعل يقول : لعمري لقد عمرت في الدهر برهة * ودانت لي الدنيا بوقع البواتر وأعطيت حمر المال والحكم والنهى * ولي سلمت كل الملوك الجبابر
هامش
( 1 ) في الطبري 6 / 187 : زر بن حبيش أو أيمن بن خريم . ( 2 ) في الكامل للمبرد 2 / 381 : ولن يأتيكم بعدي إلا من أنا خير منه كما لم يكن قبلي إلا من هو خير مني . ( 3 ) في ابن الأعثم 4 / 264 قال : اعملوا أني كنت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يقلم أظفاره فأخذت من قلامته فجعلتها في قارورة فهي عندي ، وعندي أيضا شئ من شعره ، إذا أنا مت وغسلتموني وكفنتموني فقطعوا تلك القلامة فاجعلوها في عيني ، واجعلوا الشعر في فمي وأذني . .