تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
ثم خلع سراويله فألقاها إلى معاوية فقال له معاوية : لو ذهبت إلى منزلك ثم أرسلت بها إلينا ، فأنشأ قيس يقول عند ذلك : أردت بها كي يعلم الناس أنها * سراويل قيس والوفود شهود وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه * سراويل غادي سمد وثمود وإني من الحي اليماني لسيد * وما الناس إلا سيد ومسود فكدهم بمثلي إن مثلي عليهم * شديد وخلقي في الرحال مديد وفضلني في الناس أصل ووالد * وباع به أعلو الرجال مديد قال : فأمر معاوية أطول رجل في الوفد فوضعها على أنفه فوقعت بالأرض ، وفي رواية أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلين من جيشه يزعم أن أحدهما أقوى الروم ، والآخر أطول الروم فانظر هل في قومك من يفوقهما في قوة هذا وطول هذا ؟ فإن كان في قومك من يفوقهما بعثت إليك من الأسارى كذا وكذا ، ومن التحف كذا وكذا ، وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول منهما فهادني ثلاث سنين . فلما حضرا عند معاوية قال : من لهذا القوي ؟ فقالوا : ماله إلا أحد رجلين ، إما محمد بن الحنفية ، أو عبد الله بن الزبير ، فجئ بمحمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب ، فلما اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية : أتعلم فيم أرسلت إليك ؟ قال : لا ! فذكر له أمر الرومي وشدة بأسه ، فقال للرومي : إما أن تجلس لي أو أجلس إليك وتناولني يدك أو أناولك يدي ، فأينا قدر على أن يقيم الآخر من مكانه غلبه ، وإلا فقد غلب . فقال له : ماذا تريد ؟ تجلس أو أجلس ؟ فقال له الرومي : بل اجلس أنت ، فجلس محمد بن الحنفية وأعطى الرومي يده فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيله من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك ، ولا وجد إليه سبيلا ، فغلب الرومي : عند ذلك ، وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غلب ، ثم قام محمد بن الحنفية فقال للرومي اجلس لي ، فجلس وأعطى محمدا يده فما أمهله أن أقامه سريعا ، ورفعه في الهواء ثم ألقاه على الأرض فسر بذلك معاوية سرورا عظيما ، ونهض قيس بن سعد فتنحى عن الناس ثم خلع سراويله وأعطاها لذلك الرومي الطويل فلبسها فبلغت إلى ثدييه وأطرافها تخط بالأرض ، فاعترف الرومي بالغلب ، وبعث ملكهم ما كان التزمه لمعاوية ، وعاتب الأنصار قيس بن سعد في خلعه سراويله بحضرة الناس فقال : ذلك الشعر المتقدم معتذرا به إليهم ، وليكون ذلك ألزم للحجة التي تقوم على الروم ، وأقطع لما حاولوه . ورواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال : كان قيس بن سعد رجلا ضخما جسيما صغير الرأس له لحية في ذقنه ، وكان إذا ركب الحمار العالي خطت رجلاه الأرض ، وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغير واحد : توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية . وذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة ، فتبعناه في ذلك .
البداية والنهاية — صفحة 110 | ابن كثير / علي شيري