تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
فأحييك بهذه التحية ، فقال له معاوية : ولم ؟ وهل أنت إلا حبر من أحبار اليهود ؟ فقال له قيس : وأنت يا معاوية كنت صنما من أصنام الجاهلية ، دخلت في الاسلام كارها ، وخرجت منه طائعا ، فقال معاوية : اللهم غفرا ، مد يدك ، فقال له قيس بن سعد : إن شئت . زدت وزدت . وقال موسى بن عقبة : قالت عجوز لقيس : أشكو إليك قلة فأر بيتي ، فقال قيس : ما أحسن هذه الكناية ! ! املأوا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا . وقال غيره : كانت له صحفة يدار بها حيث دار ، وكان ينادي له مناد : هلموا إلى اللحم والثريد وكان أبوه وجده من قبله يفعلان كفعله ، وقال عروة بن الزبير : باع قيس بن سعد من معاوية أرضا بتسعين ألفا ، فقدم المدينة فنادى مناديه : من أراد القرض فليأت ، فأقرض منها خمسين ألفا وأطلق الباقي ، ثم مرض بعد ذلك فقل عواده ، فقال لزوجته - قريبة بنت أبي عتيق أخت أبي بكر الصديق - إني أرى قلة من عادني في مرضي هذا ، وإني لأرى ذلك من أجل مالي على الناس من القرض ، فبعث إلى كل رجل ممن كان له عليه دين بصكه المكتوب عليه ، فوهبهم ماله عليهم ، وقيل : إنه أمر مناديه فنادى : من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو منه في حل ، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد ، وكان ؟ قول : اللهم ارزقني مالا وفعالا ، فإنه لا يصلح الفعال إلا بالمال . وقال سفيان الثوري : اقترض رجل من قيس بن سعد ثلاثين ألفا فلما جاء ليوفيه إياها قال له قيس : إنا قوم ما أعطينا أحدا شيئا فنرجع فيه . وقال الهيثم بن عدي : اختلف ثلاثة عند الكعبة في أكرم أهل زمانهم ، فقال أحدهم : عبد الله بن جعفر ، وقال الآخر : قيس بن سعد ، وقال الآخر : عرابة الأوسي ، فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة ، فقال لهم رجل : فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره ، فلينظر ما يعطيه وليحكم على العيان . فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز ليذهب إلى ضيعة له ، فقال له : يا بن عم رسول الله ابن سبيل ومنقطع به ، قال : فأخرج رجله من الغرز وقال : ضع رجلك واستو عليها فهي لك بما عليها ، وخذ ما في الحقيبة ولا تخدعن عن السيف فإنه من سيوف علي ، فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار ، ومطارف من خز وغير ذلك ، وأجل ذلك سيف علي بن أبي طالب . ومضى صاحب قيس بن سعد إليه فوجده نائما ، فقالت له الجارية : ما حاجتك إليه ؟ قال : ابن سبيل ومنقطع به ، قالت : فحاجتك أيسر من إيقاظه ، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم ، واذهب إلى مولانا في معاطن الإبل فخذ لك ناقة وعبدا ، واذهب راشدا . فلما استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت فأعتقها شكرا على صنيعها ذلك ، وقال : هلا أيقظتيني حتى أعطيه ما يكفيه أبدا ، فلعل الذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته . وذهب صاحب عرابة الأوسي إليه فوجده وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له - وكان قد كف بصره - فقال له : يا عرابة ، فقال : قل ، فقال : ابن سبيل ومنقطع به ، قال : فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه ، باليمنى على اليسرى ، ثم قال أوه أوه ، والله ما أصبحت ولا