مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض . فأما ما يلهج به كثير من الفقهاء وعلماء
الأصول من إيراد حديث : " خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء " ( 1 ) فإنه ليس له أصل ولا هو
مثبت في شئ من أصول الاسلام ، وسألت عنه شيخنا أبا الحجاج المزي فقال : لا أصل له . ثم
لم يكن في النساء أعلم من تلميذاتها عمرة بنت عبد الرحمن ، وحفصة بنت سيرين ، وعائشة بنت
طلحة . وقد تفردت أم المؤمنين عائشة بمسائل عن الصحابة لم توجد إلا عندها ، وانفردت
باختيارات أيضا وردت أخبار بخلافها بنوع من التأويل . وقد جمع ذلك غير واحد من الأئمة ،
فمن ذلك قال الشعبي : كان مسروق إذا حدث عن عائشة قال : حدثتني الصديقة بنت
الصديق ، حبيبة رسول الله المبرأة من فوق سبع سماوات . وثبت في صحيح البخاري من حديث
أبي عثمان النهدي عن عمرو بن العاص . قال : " قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك ؟
قال : عائشة ، قلت : ومن الرجال ؟ قال : أبوها " وفي صحيح البخاري أيضا عن أبي موسى
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران ،
وخديجة بنت خويلد ، وآسية امرأة فرعون ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر
الطعام " ( 2 ) وقد استدل كثير من العلماء ممن ذهب إلى تفضيل عائشة على خديجة بهذا الحديث ،
قال : فإنه دخل فيه سائر النساء الثلاث المذكورات وغيرهن ، ويعضد ذلك أيضا الحديث الذي
رواه البخاري : حدثنا إسماعيل بن خليل ثنا ، علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه
عن عائشة . قالت : " استأذنت هالة بنت خويلد - أخت خديجة - على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف
استئذان خديجة فارتاع لذلك ، فقال : اللهم هالة ، قالت عائشة : فغرت وقلت : ما تذكر من
عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر الأول ، قد أبدلك الله خيرا منها ؟ "
هكذا رواه البخاري ، فأما ما يروى فيه من الزيادة : " والله ما أبدلني خيرا منها " فليس يصح
سندها . وقد ذكرنا ذلك مطولا عند وفاة خديجة ، وذكرنا حجة من ذهب إلى تفضيلها على عائشة
بما أغنى عن إعادتها ههنا . وروى البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما : " يا عائش هذا
جبرئيل يقرئك السلام ، فقلت : وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ، ترى مالا أرى " ( 1 ) وثبت في
صحيح البخاري أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة ، فاجتمع أزواجه إلى أم سلمة وقلن
لها : قولي له يأمر الناس أن يهدوا له حيث كان ، فقالت أم سلمة : فلما دخل علي قلت له ذلك
فأعرض عني ، ثم قلن لها ذلك فقالت له فأعرض عنها ، ثم لما دار إليها قالت له فقال : يا أم
سلمة لا تؤذيني في عائشة ، فإنه والله ما نزل علي الوحي في بيت وأنا في لحاف امرأة منكن
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في المناقب ح 3885 ص 5 / 706 .
( 2 ) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة ح 3770 فتح الباري 7 / 106 والترمذي في المناقب ح 3887
ص 5 / 706 .