وهكذا قال الليث وأبو بكر بن عياش الواقدي والخليفة بن خياط وأبو معشر وغير واحد : إنه قتل
يوم عاشوراء عام إحدى وستين ، وزعم بعضهم أنه قتل يوم السبت ، والأول أصح * وقد ذكروا
في مقتله أشياء كثيرة أنها وقعت من كسوف الشمس يومئذ ، وهو ضعيف ، وتغيير آفاق السماء ، ولم
ينقلب حجر إلا وجد تحته دم ، ومنهم من خصص ذلك بحجارة بيت المقدس ، وأن الورس
استحال رمادا ، وأن اللحم صار مثل العلقم وكان فيه النار ، إلى غير ذلك مما في بعضها نكارة ،
وفي بعضها احتمال ، والله أعلم * وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ،
ولم يقع شئ من هذه الأشياء ، وكذلك الصديق بعده ، مات ولم يكن شئ من هذا ، وكذا
عمر بن الخطاب قتل شهيدا وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ، وحصر عثمان في داره وقتل
بعد ذلك شهيدا ، وقتل علي بن أبي طالب شهيدا بعد صلاة الفجر ، ولم يكن شئ من هذه
الأشياء ، والله أعلم * وقد روى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمارة عن أم سلمة أنها سمعت
الجن تنوح على الحسين بن علي * وهذا صحيح ، وقال شهر بن حوشب : كنا عند أم سلمة
فجاءها الخبر بقتل الحسين فخرت مغشيا عليها * وكان سبب قتل الحسين أنه كتب إليه أهل العراق
يطلبون منه أن يقدم إليهم ليبايعوه بالخلافة ، وكثر تواتر الكتب عليه من العامة ومن ابن عمه
مسلم بن عقيل ، فلما ظهر على ذلك عبيد الله بن زياد نائب العراق ليزيد بن معاوية ، فبعث إلى
مسلم بن عقيل يضرب عنقه ورماه من القصر إلى العامة ، فتفرق ملؤهم وتبددت كلمتهم ، هذا
وقد تجهز الحسين من الحجاز إلى العراق ، ولم يشعر بما وقع ، فتحمل بأهله ومن أطاعه وكانوا قريبا
من ثلاثمائة ( 1 ) ، وقد نهاه عن ذلك جماعة من الصحابة ، منهم أبو سعيد ، وجابر ، وابن عباس ،
وابن عمر ، فلم يطعهم ، وما أحسن ما نهاه ابن عمر عن ذلك ، واستدل له على أنه لا يقع ما
يريده فلم يقبل ، فروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن سالم الأسدي ورواه أبو داود الطيالسي
في مسنده عنه قال : سمعت الشعبي يقول : كان ابن عمر قدم المدينة فأخبر أن الحسين بن علي قد
توجه إلى العراق ، فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة ، قال : أين تريد ؟ قال : العراق
ومعه طوامير وكتب ، فقال : لا تأتهم ، فقال : هذه كتبهم وبيعتهم ، فقال : إن الله خير نبيه صلى الله عليه وسلم
بين الدنيا والآخرة ، فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا ، وإنكم بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لا يليها
أحد منكم أبدا ، وما صرفها عنكم إلى الذي هو خير منكم ، فارجعوا ، فأبى وقال : هذه كتبهم
وبيعتهم ، قال : فاعتنقه ابن عمر وقال : أستودعك الله من قتيل ( 2 ) ، وقد وقع ما فهمه
عبد الله بن عمر من ذلك سواء ، من أنه لم يل أحد من أهل البيت الخلافة على سبيل الاستقلال
ويتم له الامر ، وقد قال ذلك عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب إنه لا يلي أحد من أهل البيت
أبدا * ورواه عنهما أبو صالح الخليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ في كتابه الفتن والملاحم . قلت :
هامش
( 1 ) في فتوح ابن الأعثم : كان معه اثنان وثمانون رجلا من شيعته وأهل بيته .
( 2 ) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 470 - 471 .