تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النص الكامل لكتاب العواصم من القواصم — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
الرؤيا أصلا ، ولا يقل متى أحصل هذا ؟ فإنه ليس المطلوب منها الغاية ، فإنها لا تنالها إلا الأفراد ، وإنما ينبغي لكل عاقل أن يتخصص بجزء جزء منها ، ولا يفرد نفسه ببعض العلوم ، فيكون إنسانا في الذي يعم ، بهيمة فيما لا يعلم ، ولا سيما من أقام عمره حسابا ، أو نحويا ، فقد هلك ، فإنه بمنزلة من أراد صنعة شيء ، فحشد ( 1 ) الآلة عمره ، ثم مات ، قبل عمل صنعته ، ولا يصغ إلى من يقول له : تكن مقصرا في كل علم إذا فعلت هذا ، والأولى بك أن تقف نفسك على علم واحد ، فإنه قول جاهل بالعلم . إذ أخذ المرء نفسه بهذا القانون الذي رسمناه ، سيعتمد ( 2 ) على ما يراه أوكد ، ويجعل الباقي تبعا ، وأنبئكم أني ما رأيت بعيني محيطا بهذه العلوم التي ذكرت لكم ، ولا مشاركا فيها إلا واحدا ( 3 ) ، فبان أن الإحاطة غير ممكنة ، والمشاركة ممكنة ، والإحاطة بعلم واحد غير ممكن . هذا النحو ، ما علمت من أحاط به إلا سبويه ، ( 4 ) ، والفارسي ( 5 ) البدعي ، وقد أفسدت عليه بدعته كثيرا من نحوه . وإذا فهمت هذا ، فلا تنكر أن لا تجد عالما - إن وجدته - إلا واحدا ، فإن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعو غريبا كما بدأ ، حتى إنه لما بدأ من واحد ، لا بد أن يعود إلى واحد ، لا سيما في البلاد القاصية ، والثغور النائية ، وحيث يكون الثوار لبعدهم عن مقر الخلافة ، ومعدن الإمامة ، ولو شاهدتم الشام ، والعراق في عشر تسعين وأربعمائة ، لرأيتم دينا ظاهرا ، وعلما وافرا ، وأمنا متسقا ، وشملا منتظما ، لا تمكن ( 6 ) عبارة عنه لبهرة حاله ، وزهرة كماله ، فهبت عليه من المقادير جرجف من شمائل ، وجنائب فتركت الشام كأمس الذاهب ، ومحت
هامش
( 1 ) ج ، ز : فشحذ . ( 2 ) ج : يستعمد . ( 3 ) ب ، ز : واحد . ( 4 ) أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر البصري إمام العربية وصاحب " الكتاب " توفي سنة 180 ه - / 796 م ( محمد بن الحسن الزبيدي ، طبقات النحويين واللغويين ، القاهرة 1373 ه - / 1954 م ص 74 . الذهبي ، العبر ، ج 1 ص 278 ) . ( 5 ) أبو علي الفارسي الحسن بن أحمد النحوي وكان فيما يقول الذهبي متهما بالاعتزال توفي سنة 377 ه - / 987 م ( الذهبي ، العبر ، ج 3 ص 4 ) . ز : في الهامش : قف على أن أبو علي الفارسي بدعي . ( 6 ) ج ، ز : يمكن .