فعل القياس ، وإن كان لم يتميز للناظرين في هذه الصناعة أمر هذا التميز ، وذلك ظاهر من أقاويلهم التي يستعملونها في مناقضة القائلين برد القياس ، وهم المسمون عندهم أهل الظاهر ، لأن هؤلاء القوم ألزموا القائلين بالقياس أمرا لم يجدوا عنه محيصآ ، وهو أن ما سبيل المعرفة به الوحي والأمر من الله فإنه ليس للعقول في إثبات شيء من ذلك وإبطاله مدخل ، وأيضا فإن الأحكام ليست صفات ذوات فتدركها العقول . وبالجملة كل ما طريقه التوقيف لا مدخل للقياس فيه ، وإنما طريق المعرفة به السمع كاللغات وغير ذلك . وهذا إنما هو لازم لمن يقيس على أصل لم يتضمن باللفظ قط التنبيه على الأصل ، مثل قياس حد الخمر على القذف . وأما من يقيس على أصل يتضمن بمفهومه علة الأصل ، وإن لم - يتضمن ذلك بصيغة اللفظ ، فليس يلزمه هذا الاعتراض . وأكثر مقاييس الشرع هي من هذا الباب ، ولذلك لو فهموا هذا المعنى لأمكنهم الانفصال عنهم ( 1 ) .
224 - وأما أهل الظاهر ومن يجوز الاستدلال بظواهر الألفاظ من جهة صيغها ، فقد ينبغي له ألا ينكر القياس الذي في معنى الأصل ، لا والمخيل والمناسب الملائم إذا شهد الشرع بالالتفات إلى جنسه القريب . فإن هذه كلها قرائن نظير الألفاظ ظاهرة بمفهوماتها ،
هامش
( 1 ) وهذا قريب مما ذهب إليه في " البداية " حيث قال : " والجنس الأول ( القياس ) هو الذي ينبغي للظاهرية أن تنازع فيه وأما الثاني ( دلالة اللفظ ) فليس ينبغي لها أن تنازع فيه لأنه من باب السمع . والذي يرد ذلك يرد نوعا من خطاب العرب " ص 3 - 4 / ج 1 .