تَنْبِيهٌ آخَرُ :
تَصَرُّفُ الْقَاضِي فِيمَا لَهُ فِعْلُهُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى ، وَالتَّرِكَاتِ ، وَالْأَوْقَافِ مُقَيَّدٌ بِالْمَصْلَحَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلَيْهَا لَمْ يَصِحَّ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا : أَوْصَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِالثُّلُثِ قِنًّا ، وَيَعْتِقَهُ ؛ فَبَانَ بَعْدَ الِائْتِمَارِ ، وَالْإِيصَاءِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِالثُّلُثَيْنِ فَشِرَاءُ الْقَاضِي عَنْ الْمُوصِي كَيْ لَا يَصِيرَ خَصْمًا بِالْعُهْدَةِ ، وَإِعْتَاقُهُ لَغْوٌ لِتَعَدِّي الْوَصِيَّةِ ، وَهِيَ الثُّلُثُ بَعْدَ الدَّيْنِ .
قَالَ الْفَارِسِيُّ شَارِحُهُ : وَأَمَّا إعْتَاقُهُ فَهُوَ لَغْوٌ ؛ لِتَعَذُّرِ تَنْفِيذِهِ بِاعْتِبَارِ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقَاضِي مُقَيَّدَةٌ بِالنَّظَرِ ، وَلَمْ يُوجَدْ النَّظَرُ فَيَلْغُو ( انْتَهَى ) .
وَفِي قَضَاءِ الْوَلْوَالِجيَّةِ : رَجُلٌ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ مَالِهِ عَلَى فُقَرَاءِ بَلْدَةِ كَذَا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَكَانَ الْوَصِيُّ بَعِيدًا مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ ، وَلَهُ بِتِلْكَ الْبَلْدَةِ غَرِيمٌ لَهُ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمُ ، وَلَمْ يَجِدْ الْوَصِيُّ إلَى تِلْكَ الْبَلْدَةِ سَبِيلًا ، فَأَمَرَ الْقَاضِي الْغَرِيمَ بِصَرْفِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ إلَى الْفُقَرَاءِ ، فَالدَّيْنُ بَاقٍ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي ذَلِكَ ، وَوَصِيَّةُ الْمَيِّتِ قَائِمَةٌ ( انْتَهَى ) .
وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ أَمْرَ الْقَاضِي لَا يَنْفُذُ إلَّا إذَا وَافَقَ الشَّرْعَ .
وَصَرَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ ، وَالْوَلْوالِجِيَّة ، وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَرَّرَ فَرَّاشًا لِلْمَسْجِدِ بِغَيْرِ شَرْطِ الْوَاقِفِ لَمْ يَحِلَّ لِلْقَاضِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يَحِلَّ لِلْفَرَّاشِ تَنَاوُلُ الْمَعْلُومِ ( انْتَهَى ) .
وَبِهِ عُلِمَ حُرْمَةُ إحْدَاثِ الْوَظَائِفِ بِالْأَوْقَافِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَعَ احْتِيَاجِهِ لِلْفَرَّاشِ لَمْ يَجُزْ تَقْرِيرُهُ ؛ لِإِمْكَانِ اسْتِئْجَارِ فَرَّاشٍ بِلَا تَقْرِيرِ ، فَتَقْرِيرُ غَيْرِهِ مِنْ الْوَظَائِفِ لَا يَحِلُّ بِالْأَوْلَى .
وَبِهِ عُلِمَ أَيْضًا حُرْمَةُ إحْدَاثِ الْمُرَتَّبَاتِ بِالْأَوْقَافِ بِالْأَوْلَى ، وَقَدْ سُئِلْتُ عَنْ
تَقْرِيرِ الْقَاضِي الْمُرَتَّبَاتِ بِالْأَوْقَافِ فَأَجَبْت بِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ وَقْفٍ مَشْرُوطٍ لِلْفُقَرَاءِ فَالتَّقْرِيرُ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ ، وَلِلنَّاظِرِ الصَّرْفُ إلَى غَيْرِهِ ، وَقَطْعُ الْأَوَّلِ إلَّا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِعَدَمِ تَقْرِيرِ غَيْرِهِ ؛ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ .
وَهِيَ فِي أَوْقَافِ الْخَصَّافِ ، وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَقْفِ الْفُقَرَاءِ لَمْ يَصِحَّ ، وَلَمْ يَحِلَّ ،
وَكَذَا إنْ كَانَ مِنْ وَقْفِ الْفُقَرَاءِ ، وَقَرَّرَهُ لِمَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا .
ثُمَّ سُئِلْت : لَوْ قُرِّرَ مِنْ فَائِضِ وَقْفٍ سَكَتَ الْوَاقِفُ عَنْ مَصْرِفِ فَائِضِهِ فَهَلْ يَصِحُّ ؟ فَأَجَبْت بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَيْضًا
لِمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة : إنَّ فَائِضَ الْوَقْفِ لَا يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِي بِهِ الْمُتَوَلِّي مُسْتَغَلَّا .
وَصَرَّحَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَتَبِعَهُ فِي الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ بِأَنَّهُ لَا يُصْرَفُ فَائِضُ ، وَقْفٍ لِوَقْفٍ آخَرَ اتَّحَدَ ، وَاقِفُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَ ( انْتَهَى ) .
الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان — صفحة 107
مساهمون: ابن نجيم المصري
ص١٠٧