تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
كثيرا وجما غفيرا ، وهجموا مرة على مخيم السلطان بغتة فنهبوا بعض الأمتعة ، فنهض الملك العادل أبو بكر - وكان رأس الميمنة - فركب ، في أصحابه وأمهل الفرنج حتى توغلوا بين الخيام ، ثم حمل عليهم بالرماح والحسام ، فهربوا بين يديه فما زال يقتل منهم جماعة بعد جماعة ، وفرقة بعد فرقة ، حتى كسوا وجه الأرض منهم حللا أزهى من الرياض الباسمة ، وأحب إلى النفوس من الخدود الناعمة ، وأقل ما قيل إنه قتل منهم خمسة آلاف ، وزعم العماد أنه قتل منهم فيما بين الظهر إلى العصر عشرة آلاف والله أعلم . هذا وطرف الميسرة لم يشعر بما جرى ولا درى ، بل نائمون وقت القائلة في خيامهم ، وكان الذين ساقوا وراءهم أقل من ألف ، وإنما قتل من المسلمين عشرة أو دونهم ، وهذه نعمة عظيمة ، وقد أوهن هذا جيش الفرنج وأضعفهم ، وكادوا يطلبون الصلح وينصرفون عن البلد ، فاتفق قدوم مدد عظيم إليهم في البحر من ملك يقال له كيد هري ( 1 ) ، ومعه أموال كثيرة فأنفق فيهم وغرم عليهم وأمرهم أن يبرزوا معه لقتال المسلمين ، ونصب على عكا منجنيقين ، غرم على كل واحد منهما ألفا وخمسمائة دينار ، فأحرقهما المسلمون من داخل البلد ، وجاءت كتب صاحب الروم من القسطنطينية يعتذر لصلاح الدين من جهة ملك الألمان ، وأنه لم يتجاوز بلده باختياره ، وأنه تجاوزه لكثرة جنوده ، ولكن ليبشر السلطان بأن الله سيهلكهم في كل مكان ، وكذلك وقع ، وأرسل إلى السلطان يخبره بأنه يقيم للمسلمين عنده جمعة وخطبا ، فأرسل السلطان مع رسله خطيبا ومنبرا ، وكان يوم دخولهم إليه يوما مشهودا ، ومشهدا محمودا ، فأقيمت الخطبة بالقسطنطينية ، ودعا للخليفة العباسي ، واجتمع فيها من هناك من المسلمين من التجار والمسلمين الاسرى والمسافرين إليها والحمد لله رب العالمين

فصل

وكتب متولي عكا من جهة السلطان صلاح الدين وهو الأمير بهاء الدين قراقوش ، في العشر الأول من شعبان إلى السلطان : إنه لم يبق عندهم في المدينة من الأقوات إلا ما يبلغهم إلى ليلة النصف من شعبان ، فلما وصل الكتاب إلى السلطان أسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ، خوفا من إشاعة ذلك فيبلغ العدو فيقدموا على المسلمين ، وتضعف القلوب ، وكان قد كتب إلى أمير الأسطول بالديار المصرية أن يقدم بالميرة إلى عكا ، فتأخر سيره ، ثم وصلت ثلاث بطش ( 2 ) ليلة النصف ، فيها من الميرة ما يكفي أهل البلد طول الشتاء ، وهي صحبة الحاجب لؤلؤ ، فلما أشرفت على البلد نهض إليها أسطول الفرنج ليحول بينها وبين البلد ، ويتلف ما فيها ، فاقتتلوا في البحر قتالا شديدا ، والمسلمون في البر يبتهلون إلى الله عز وجل في سلامتها ، والفرنج أيضا تصرخ برا وبحرا ، وقد ارتفع
هامش
( 1 ) في الكامل وابن خلدون : كندهري ; وهو ابن أخي افرنسيس لأبيه ، وابن أخي ملك انكلتار لامه . ( 2 ) في الكامل : بطس جمع بطسة . وهي المركب ، والسفينة .