تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
الضجيج ، فنصر الله المسلمين وسلم مراكبهم ، وطابت الريح للبطش فسارت فأحرقت المراكب الفرنجية المحيطة بالميناء ، ودخلت البلد سالمة ففرح بها أهل البلد والجيش فرحا شديدا ، وكان السلطان قد جهز قبل هذه البطش الثلاث بطشة كبيرة من بيروت ، فيها أربعمائة غرارة ( 1 ) ، وفيها من الجبن والشحم والقديد والنشاب والنفط شئ كثير ، وكانت هذه البطشة من بطش الفرنج المغنومة ، وأمر من فيها من التجار أن يلبسوا زي الفرنج حتى أنهم حلقوا لحاهم ، وشدوا الزنانير ، واستصحبوا في البطشة معهم شيئا من الخنازير ، وقدموا بها على مراكب الفرنج فاعتقدوا أنهم منهم وهي سائرة كأنها السهم إذا خرج من كبد القوس ، فحذرهم الفرنج غائلة الميناء من ناحية البلد ، فاعتذروا بأنهم مغلوبون عنها ، ولا يمكنهم حبسها من قوة الريح ، وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء فأفرغوا ما كان معهم من الميرة ، والحرب خدعة ، فعبرت الميناء فامتلأ الثغر بها خيرا ، فكفتهم إلى أن قدمت عليهم تلك البطش الثلاث المصرية . وكانت البلد يكتنفها برجان يقال لأحدهما برج الديان ، فاتخذت الفرنج بطشة عظيمة لها خرطوم وفيه محركات إذا أرادوا أن يضعوه على شئ من الأسوار والابرجة قلبوه فوصل إلى ما أرادوا ، فعظم أمر هذه البطشة على المسلمين ، ولم يزالوا في أمرها محتالين ، حتى أرسل الله عليها شواظا من نار فأحرقها وأغرقها ، وذلك أن الفرنج أعدوا فيها نفطا كثيرا وحطبا جزلا ، وأخرى خلفها فيها حطب محض ، فلما أراد المسلمون المحافظة على الميناء أرسلوا النفط على بطشة الحطب فاحترقت وهي سائرة بين بطش المسلمين ، واحترقت الأخرى ، وكان في بطشة أخرى لهم مقاتلة تحت قبو قد أحكموه فيها ، فلما أرسلوا النفط على برج الديان انعكس الامر عليهم بقدرة الله تعالى ، وذلك لشدة الهواء تلك الليلة ، فما تعدت النار بطشتهم فاحترقت ، وتعدى الحريق إلى الأخرى فغرقت ، ووصل إلى بطشة المقاتلة فتلفت ، وهلك من فيها ، فأشبهوا من سلف من أهل الكتاب من الكافرين ، في قوله تعالى ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) [ الحشر : 2 ] .

فصل

وفي ثالث رمضان اشتد حصار الفرنج للمدينة حتى نزلوا إلى الخندق ، فبرز إليهم أهل البلد فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وتمكنوا من حريق الكيس والأسوار ، وسرى حريقه إلى السقوف ، وارتفعت له لهبة عظيمة في عنان السماء ، ثم اجتذبه المسلمون إليهم بكلاليب من حديد في سلاسل ، فحصل عندهم وألقوا عليه الماء البارد فبرد بعد أيام ، فكان فيه من الحديد مائة قنطار بالدمشقي ، ولله الحمد والمنة .
هامش
( 1 ) الغرارة مفرد الغرائر ، وهي الأكياس الكبيرة من صوف أو شعر توضع فيها الحبوب وغيرها .