[ الفرقان : 23 ] ثم أمر السلطان لذلك الشاب النحاس بعطية سنية ، وأموال كثيرة فامتنع أن يقبل
شيئا من ذلك ، وقال : إنما عملت ذلك ابتغاء وجه الله ، ورجاء ما عنده سبحانه ، فلا أريد منكم
جزاء ولا شكورا .
وأقبل الأسطول المصري وفيه الميرة الكثيرة لأهل البلد ، فعبى الفرنج أسطولهم ليقاتلوا
أسطول المسلمين ، نهض السلطان بجيشه ليشغلهم عنهم ، وقاتلهم أهل البلد أيضا واقتتل
الأسطولان في البحر ، وكان يوما عسيرا ، وحربا في البر والبحر ، فظفرت الفرنج بشبيني واحد من
الأسطول الذي للمسلمين ، وسلم الله الباقي فوصل إلى البلد بما فيه من الميرة ، وكانت حاجتهم قد
اشتدت إليها جدا ، بل إلى بعضها .
وأما ملك الألمان المتقدم ذكره فإنه أقبل في عدد وعدد كثير جدا ، قريب من ثلاثمائة ألف ( 1 )
مقاتل ، من نيته خراب البلد وقتل أهلها من المسلمين ، والانتصار لبيت المقدس ، وأن يأخذ البلاد
إقليما بعد إقليم ، حتى مكة والمدينة ، فما نال من ذلك شيئا بعون الله وقوته ، بل أهلكهم الله عز وجل
في كل مكان وزمان ، فكانوا يتخطفون كما يتخطف الحيوان ، حتى اجتاز ملكهم بنهر ( 2 ) شديد الجرية
فدعته نفسه أن يسبح فيه ، فلما صار فيه حمله الماء إلى شجرة فشجت رأسه ، وأخمدت أنفاسه ( 3 ) ،
وأراح الله منه العباد والبلاد ، فأقيم ولده الأصغر في الملك ، وقد تمزق شملهم ، وقلت منهم العدة ،
ثم أقبلوا لا يجتازون ببلد إلا قتلوا فيه ، فما وصلوا إلى أصحابهم الذين على عكا إلا في ألف فارس ،
فلم يرفعوا بهم رأسا ولا لهم قدرا ولا قيمة بينهم ، ولا عند أحد من أهل ملتهم ولا غيرهم ، وهكذا
شأن من أراد إطفاء نور الله وإذلال دين الاسلام . وزعم العماد في سياقه أن الألمان وصلوا في خمسة
آلاف ، وأن ملوك الإفرنج كلهم كرهوا قدومهم عليهم ، لما يخافون من سطوة ملكهم ، وزوال
دولتهم بدولته ، ولم يفرح به إلا المركيس صاحب صور ، الذي أنشأ هذه الفتنة وأثار هذه المحنة ،
فإنه تقوى به وبكيده ، فإنه كان خبيرا بالحروب ، وقد قدم بأشياء كثيرة من آلات الحرب لم تخطر
لاحد ببال . نصب دبابات أمثال الجبال ، تسير بعجل ولها زلوم من حديد ، تنطح السور فتخرقه ،
وتثلم جوانبه ، فمن الله العظيم بإحراقها ، وأراح المسلمين منها ، ونهض صاحب الألمان بالعسكر
الفرنجي فصادم به جيش المسلمين فجاءت جيوش المسلمين برمتها إليه ، فقتلوا من الكفرة خلقا
هامش
( 1 ) في تاريخ أبي الفداء : مائة ألف مقاتل .
( 2 ) وهو نهر كاليكادنوس ، في سهل سلوقية ( تاريخ الحروب الصليبية 3 / 39 ) .
( 3 ) قال رنسيمان في الحروب الصليبية : ولما حدث عندئذ ليس معروفا على وجه التأكيد ، فإما أن يكون الإمبراطور قد
وثب عن حصانه إلى الماء البارد ليستعيد نشاطه ، ولكن تيار النهر فاق في القوة ما كان يعتقده وإما أن يكون جسمه الهرم لم
يستطع أن يقاوم الصدمة المفاجئة ، أو زلت قدما فرسه ، فقذف به إلى الماء ، فغرق بسبب ثقل أسلحته ، فلما بلغ الجيش
النهر ، خلص جيفته وجعلها على شاطئ النهر ( 3 / 40 ) .