تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
[ الفرقان : 23 ] ثم أمر السلطان لذلك الشاب النحاس بعطية سنية ، وأموال كثيرة فامتنع أن يقبل شيئا من ذلك ، وقال : إنما عملت ذلك ابتغاء وجه الله ، ورجاء ما عنده سبحانه ، فلا أريد منكم جزاء ولا شكورا . وأقبل الأسطول المصري وفيه الميرة الكثيرة لأهل البلد ، فعبى الفرنج أسطولهم ليقاتلوا أسطول المسلمين ، نهض السلطان بجيشه ليشغلهم عنهم ، وقاتلهم أهل البلد أيضا واقتتل الأسطولان في البحر ، وكان يوما عسيرا ، وحربا في البر والبحر ، فظفرت الفرنج بشبيني واحد من الأسطول الذي للمسلمين ، وسلم الله الباقي فوصل إلى البلد بما فيه من الميرة ، وكانت حاجتهم قد اشتدت إليها جدا ، بل إلى بعضها . وأما ملك الألمان المتقدم ذكره فإنه أقبل في عدد وعدد كثير جدا ، قريب من ثلاثمائة ألف ( 1 ) مقاتل ، من نيته خراب البلد وقتل أهلها من المسلمين ، والانتصار لبيت المقدس ، وأن يأخذ البلاد إقليما بعد إقليم ، حتى مكة والمدينة ، فما نال من ذلك شيئا بعون الله وقوته ، بل أهلكهم الله عز وجل في كل مكان وزمان ، فكانوا يتخطفون كما يتخطف الحيوان ، حتى اجتاز ملكهم بنهر ( 2 ) شديد الجرية فدعته نفسه أن يسبح فيه ، فلما صار فيه حمله الماء إلى شجرة فشجت رأسه ، وأخمدت أنفاسه ( 3 ) ، وأراح الله منه العباد والبلاد ، فأقيم ولده الأصغر في الملك ، وقد تمزق شملهم ، وقلت منهم العدة ، ثم أقبلوا لا يجتازون ببلد إلا قتلوا فيه ، فما وصلوا إلى أصحابهم الذين على عكا إلا في ألف فارس ، فلم يرفعوا بهم رأسا ولا لهم قدرا ولا قيمة بينهم ، ولا عند أحد من أهل ملتهم ولا غيرهم ، وهكذا شأن من أراد إطفاء نور الله وإذلال دين الاسلام . وزعم العماد في سياقه أن الألمان وصلوا في خمسة آلاف ، وأن ملوك الإفرنج كلهم كرهوا قدومهم عليهم ، لما يخافون من سطوة ملكهم ، وزوال دولتهم بدولته ، ولم يفرح به إلا المركيس صاحب صور ، الذي أنشأ هذه الفتنة وأثار هذه المحنة ، فإنه تقوى به وبكيده ، فإنه كان خبيرا بالحروب ، وقد قدم بأشياء كثيرة من آلات الحرب لم تخطر لاحد ببال . نصب دبابات أمثال الجبال ، تسير بعجل ولها زلوم من حديد ، تنطح السور فتخرقه ، وتثلم جوانبه ، فمن الله العظيم بإحراقها ، وأراح المسلمين منها ، ونهض صاحب الألمان بالعسكر الفرنجي فصادم به جيش المسلمين فجاءت جيوش المسلمين برمتها إليه ، فقتلوا من الكفرة خلقا
هامش
( 1 ) في تاريخ أبي الفداء : مائة ألف مقاتل . ( 2 ) وهو نهر كاليكادنوس ، في سهل سلوقية ( تاريخ الحروب الصليبية 3 / 39 ) . ( 3 ) قال رنسيمان في الحروب الصليبية : ولما حدث عندئذ ليس معروفا على وجه التأكيد ، فإما أن يكون الإمبراطور قد وثب عن حصانه إلى الماء البارد ليستعيد نشاطه ، ولكن تيار النهر فاق في القوة ما كان يعتقده وإما أن يكون جسمه الهرم لم يستطع أن يقاوم الصدمة المفاجئة ، أو زلت قدما فرسه ، فقذف به إلى الماء ، فغرق بسبب ثقل أسلحته ، فلما بلغ الجيش النهر ، خلص جيفته وجعلها على شاطئ النهر ( 3 / 40 ) .