وفي الثامن والعشرين من رمضان ( 1 ) توفي الملك زين الدين صاحب إربل في حصار عكا مع
السلطان ، فتأسف الناس عليه لشبابه وغربته وجودته ، وعزي أخاه مظفر الدين فيه ، وقام بالملك
من بعده وسأل من صلاح الدين أن يضيف إليه شهرزور وحران والرها وسميساط وغيرها ، وتحمل
مع ذلك خمسين ألف دينار نقدا ، فأجيب إلى ذلك ، وكتب له تقليدا ، وعقد له لواء ، وأضيف ما
تركه إلى الملك المظفر تقي الدين ابن أخي السلطان صلاح الدين .
فصل
وكان القاضي الفاضل بمصر يدبر الممالك بها ، ويجهز إلى السلطان ما يحتاج إليه من الأموال ،
وعمل الأسطول والكتب السلطانية ، فمنها كتاب يذكر فيه أن سبب هذا التطويل في الحصار كثرة
الذنوب ، وارتكاب المحارم بين الناس ، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته ، ولا يفرج الشدائد إلا
بالرجوع إليه ، وامتثال أمره ، فكيف لا يطول الحصار والمعاصي في كل مكان فاشية ، وقد صعد إلى
الله منها ما يتوقع بعده الاستعاذة منه ، وفيه أنه قد بلغه أن بيت المقدس قد ظهر فيه المنكرات
والفواحش والظلم في بلاده ما لا يمكن تلافيه إلا بكلفة كثيرة . ومنها كتاب يقول فيه إنما أتينا من قبل
أنفسنا ، ولو صدقنا لعجل الله لنا عواقب صدقنا ، ولو أطعناه لما عاقبنا بعدونا ، ولو فعلنا ما نقدر
عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به ، فلا يختصم أحد إلا نفسه وعمله ، ولا يرج إلا ربه ولا
يغتر بكثرة العساكر والأعوان ، ولا فلان الذي يعتمد عليه أن يقاتل ولا فلان ، فكل هذه مشاغل عن
الله ليس النصر بها ، وإنما النصر من عند الله ، ولا نأمل أن يكلنا الله إليها ، والنصر به واللطف
منه ، ونستغفر الله تعالى من ذنوبنا ، فلولا أنها تسد طريق دعائنا لكان جواب دعائنا قد نزل ، وفيض
دموع الخاشعين قد غسل ، ولكن في الطريق عائق ، خار الله لمولانا في القضاء السابق واللاحق .
ومن كتاب آخر يتألم فيه لما عند السلطان من الضعف في جسمه بسبب ما حمل على قلبه مما هو فيه من
الشدائد ، أثابه الله بقوله : وما في نفس المملوك شائنة إلا بقية هذا الضعف الذي في جسم مولانا فإنه
بقلوبنا ، ونفديه بأسماعنا وأبصارنا ثم قال :
بنا معشر الخدام ما بك من أذى * وإن أشفقوا مما أقول فبي وحدي
وقد أورد الشيخ شهاب الدين صاحب الروضتين ها هنا كتبا عدة من الفاضل إلى السلطان ،
فيها فصاحة وبلاغة ومواعظ وتحضيض على الجهاد ، فرحمه الله من إنسان ما أفصحه ، ومن وزير ما
كان أنصحه ، ومن عقل ما كان أرجحه .
هامش
( 1 ) في تاريخ أبي الفداء : ثامن شوال .