تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
عامة جنده في الطرقات بالبرد والجوع والضلال في المهالك ، على ما سيأتي بيانه . وكان سبب قتال الفرنج وخروجهم من بلادهم ونفيرهم ما ذكره ابن الأثير في كامله أن جماعة من الرهبان والقسيسين الذين كانوا ببيت المقدس وغيره ، ركبوا من صور في أربعة مراكب ، وخرجوا يطوفون ببلدان النصارى البحرية ، وما هو قاطع البحر من الناحية الأخرى ، يحرضون الفرنج ويحثونهم على الانتصار لبيت المقدس ، ويذكرون لهم ما جرى على أهل القدس ، وأهل السواحل من القتل والسبي وخراب الديار ، وقد صوروا صورة المسيح وصورة عربي آخر يضربه ويؤذيه ، فإذا سألوهم من هذا الذي يضرب المسيح ؟ قالوا هذا نبي العرب يضربه وقد جرحه ومات ، فينزعجون لذلك ويحمون ويبكون ويحزنون فعند ذلك خرجوا من بلادهم لنصرة دينهم ونبيهم ، وموضع حجهم على الصعب والذلول ، حتى النساء المخدرات والزواني والزانيات الذين هم عند أهليهم من أعز الثمرات . وفي نصف ربيع الأول تسلم السلطان شعيف أربون ( 1 ) بالأمان ، وكان صاحبه مأسورا في الذل والهوان ، وكان من أدهى الفرنج وأخبرهم بأيام الناس ، وربما قرأ في كتب الحديث وتفسير القرآن ، وكان مع هذا غليظ الجلد قاسي القلب ، كافر النفس . ولما انفصل فصل الشتاء وأقبل الربيع جاءت ملوك الاسلام من بلدانها بخيولها وشجعانها ، ورجالها وفرسانها ، وأرسل الخليفة إلى الملك صلاح الدين أحمالا من النفط والرماح ، ونفاطة ونقابين ، كل منهم متقن في صنعته غاية الاتقان ، ومرسوما بعشرين ألف دينار ، وانفتح البحر وتواترت مراكب الفرنج من كل جزيرة ، لأجل نصرة أصحابهم ، يمدونهم بالقوة والميرة ، وعملت الفرنج ثلاثة أبرجة من خشب وحديد ، عليها جلود مسقاة بالخل ، لئلا يعمل فيها النفط ، يسع البرج منها خمسمائة مقاتل ، وهي أعلا من أبرجة البلد ، وهي مركبة على عجل بحيث يديرونها كيف شاؤوا ، وعلى ظهر كل منها منجنيق كبير ، فلما رأى المسلمون ذلك أهمهم أمرها وخافوا على البلد ومن فيه من المسلمين أن يؤخذوا ، وحصل لهم ضيق منها ، فأعمل السلطان فكره بإحراقها ، وأحضر النفاطين ووعدهم بالأموال الجزيلة إن هم أحرقوها ، فانتدب لذلك شاب نحاس من دمشق يعرف بعلي بن عريف النحاسين ، والتزم بإحراقها ، فأخذ النفط الأبيض وخلطه بأدوية يعرفها ، و ؟ لي ذلك في ثلاثة قدور من نحاس حتى صار نارا تأجج ، ورمى كل برج منها بقدر من تلك القدور بالمنجنيق من داخل عكا ، فاحترقت الأبرجة الثلاثة حتى صارت نارا بإذن الله ، لها ألسنة في الجو متصاعدة ، واحترق من كان فيها ، فصرخ المسلمون صرخة واحدة بالتهليل ، واحترق في كل برج منها سبعون كفورا ، وكان يوما على الكافرين عسيرا ، وذلك يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة ، وكان الفرنج قد تعبوا في عملها سبعة أشهر ، فاحترقت في يوم واحد ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا )
هامش
( 1 ) كذا بالأصل ; وهو حصن شقيف أرنون ، ( الكامل - وابن خلدون ) .