تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
ببغداد ، صاحب التصانيف ، على صغر سنة ، منها العجالة في النسب ، والناسخ والمنسوخ وغيرها ومولده سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمسمائة ، وتوفي في الثامن والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة .

ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة

فيها قدم من جهة الخليفة رسل إلى السلطان يعلمونه بولاية العهد لأبي نصر الملقب بالظاهر بن الخليفة الناصر ، فأمر السلطان خطيب دمشق أبا القاسم عبد الملك بن زيد الدولعي أن يذكره على المنبر ، ثم جهز السلطان مع الرسل تحفا كثيرة ، وهدايا سنية ، وأرسل بأسارى من الفرنج على هيئتهم في حال حربهم ، وأرسل بصليب الصلبوت فدفن تحت عتبة باب النوى ، من دار الخليفة ، فكان بالاقدام يداس ، بعد ما كان يعظم ويباس ، والصحيح أن هذا الصليب كان منصوبا على الصخرة وكان من نحاس مطليا بالذهب ، فحطه الله إلى أسفل العتب .

قصة عكا وما كان من أمرها

لما كان شهر رجب اجتمع من كان بصور من الفرنج وساروا إلى مدينة عكا ، فأحاطوا بها يحاصرونها فتحصن من فيها من المسلمين ، وأعدوا للحصار ما يحتاجون إليه ، وبلغ السلطان خبرهم فسار إليهم من دمشق مسرعا ، فوجدهم قد أحاطوا بها إحاطة الخاتم بالخنصر ، فلم يزل يدافعهم عنها ويمانعهم منها ، حتى جعل طريقا إلى باب القلعة يصل إليه كل من أراده ، من جندي وسوقي ، وامرأة صبي ، ثم أدخل إليها ما أراد من الآلات والأمتعة ، ودخل هو بنفسه فعلا على سورها ونظر إلى الفرنج وجيشهم وكثرة عددهم وعددهم ، والميرة تفد إليهم في البحر ، في كل وقت ، وكل ما لهم في ازدياد ، وفي كل حين تصل إليهم الامداد ، ثم عاد إلى مخيمه والجنود تفد إليه ، وتقدم عليه من كل جهة ومكان ، منهم رجال وفرسان ، فلما كان في العشر الأخير من شعبان برزت الفرنج من مراكبها إلى مواكبها ، في نحو من ألفي فارس وثلاثين ألف راجل ، فبرز إليهم السلطان فيمن معه من الشجعان فاقتتلوا بمرج عكا قتالا عظيما ، وهزم جماعة من المسلمين في أول النهار ، ثم كانت الدائرة على الفرنج فكانت القتلى بينهم أزيد من سبعة آلاف ( 1 ) قتيل ، ولما تناهت هذه الوقعة تحول السلطان عن مكانه الأول إلى موضع بعيد من رائحة القتلى ، خوفا من الوخم والأذى ، وليستريح الخيالة والخيل ، ولم يعلم أن ذلك كان من أكبر مصالح العدو المخذول ، فإنهم اغتنموا هذه الفرصة فحفروا حول مخيمهم خندقا من البحر محدقا بجيشهم ، واتخذوا من ترابه سورا شاهقا ، وجعلوا له أبوابا
هامش
( 1 ) في الكامل 12 / 39 : عشرة آلاف . ( انظر ابن خلدون 5 / 319 ) .