تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
رجل من تجار الفرنج يقال له المركيس ( 1 ) ، فحصنها وضبط أمرها وحفر حولها خندقا من البحر إلى البحر ، فجاء السلطان فحاصرها مدة ، ودعا بالأسطول من الديار المصرية في البحر ، فأحاط بها برا وبحرا ، فعدت الفرنج في بعض الليالي على خمس شواني من أسطول المسلمين فملكتها ، فأصبح المسلمون واجمين حزنا وتأسفا ، وقد دخل عليهم فصل البرد وقلت الأزواد ، وكثرت الجراحات وكل الامراء من المحاصرات ، فسألوا السلطان أن ينصرف بهم إلى دمشق حتى يستريحوا ثم يعودوا إليها بعد هذا الحين ، فأجابهم إلى ذلك على تمنع منه ، ثم توجه بهم نحو دمشق واجتاز في طريقه على عكا ، وتفرقت العساكر إلى بلادها . وأما السلطان فإنه لما وصل إلى عكا نزل بقلعتها وأسكن ولده الأفضل برج الداوية ، وولى نيابتها عز الدين حردبيل ، وقد أشار بعضهم على السلطان بتخريب مدينة عكا خوفا من عود الفرنج إليها ، فكاد ولم يفعل وليته فعل ، بل وكل بعمارتها وتجديد محاسنها بهاء الدين قراقوش التقوي ، ووقف دار الاسبتارية ( 2 ) بصفين على الفقهاء والفقراء ، وجعل دار الأسقف مارستانا ووقف على ذلك كله أوقافا دارة ، وولى نظر ذلك إلى قاضيها جمال الدين بن الشيخ أبى النجيب . ولما فرغ من هذه الأشياء عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا ، وأرسل إليه الملوك بالتهاني والتحف والهدايا من سائر الأقطار والأمصار ، وكتب الخليفة إلى السلطان يعتب عليه في أشياء ، منها أنه بعث إليه في بشارة الفتح بوقعة حطين شابا بغداديا كان وضيعا عندهم ، لا قدر له ولا قيمة ، وأرسل بفتح القدس مع نجاب ، ولقب نفسه بالناصر مضاهاة للخليفة . فتلقى ذلك بالبشر واللطف والسمع والطاعة ، وأرسل يعتذر مما وقع . وقال : الحرب كانت شغلته عن التروي في كثير من ذلك ، وأما لقبه بالناصر فهو من أيام الخليفة المستضئ ، ومع هذا فمهما لقبني أمير المؤمنين فلا أعدل عنه ، وتأدب مع الخليفة غاية الأدب مع غناه عنه . وفيها كانت وقعة عظيمة ببلاد الهند بين الملك شهاب الدين الغوري صاحب غزنة ، وبين ملك الهند الكبير ، فأقبلت الهنود في عدد كثير من الجنود ، ومعهم أربعة عشر فيلا ، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزمت ميمنة المسلمين وميسرتهم ، وقيل للملك أنج بنفسك ، فما زاده ذلك إلا إقداما ، فحمل على الفيلة فجرح بعضها - وجرح الفيل لا يندمل - فرماه بعض الفيالة بحربة في ساعده فخرجت من الجانب الآخر فخر صريعا ، فحملت عليه الهنود ليأخذوه فجاحف عنه أصحابه فاقتتلوا
هامش
( 1 ) في الكامل وابن خلدون : المركيش ، وفي تاريخ الحروب الصليبية 2 / 762 : كنراد بن ماركيز وكان يقيم بالقسطنطينية غير أنه تورط في جريمة قتل وقعت بها ، فأبحر سرا للحج إلى الأماكن المقدسة ، فاتخذ طريقه إلى عكا ، ولم يكن يعلم شيئا عن الكوارث التي حلت بفلسطين ، فأقلع نحو صور حيث لقي الترحيب . فتولى تنظيم الدفاع عنها . ( 2 ) تقدم الإشارة إليها ، وفي الأصل الاستثارية .