تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
الشوبك يضيقون على أهلها ويحاصرونهم ، ليفرغ من أموره لقتال هذه الأماكن ، ولما رجع السلطان من هذه الغزوة إلى دمشق وجد الصفي بن الفايض وكيل الخزانة قد بنى له دارا بالقلعة هائلة مطلة على الشرف القبلي ، فغضب عليه وعزله وقال : إنا لم نخلق للمقام بدمشق ولا بغيرها من البلاد ، وإنما خلقنا لعبادة الله عز وجل والجهاد في سبيله ، وهذا الذي عملته مما يثبط النفوس ويقعدها عما خلقت له . وجلس السلطان بدار العدل فحضرت عنده القضاة وأهل الفضل ، وزار القاضي الفاضل في بستانه على الشرف في جوسق ابن الفراش ، وحكى له ما جرى من الأمور ، واستشاره فيما يفعل في المستقبل من المهمات والغزوات ، ثم خرج من دمشق فسلك على بيوس وقصد البقاع ، وسار إلى حمص وحماه وجاءت الجيوش من الجزيرة وهو على العاصي ، فسار إلى السواحل الشمالية ففتح أنطرطوس وغيرها من الحصون ، وجبلة واللاذقية ، وكانتا من أحصن المدن عمارة ورخاما ومحالا ، وفتح صهيون ( 1 ) وبكاس والشغر وهما قلعتان على العاصي حصينتان ، فتحهما عنوة ، وفتح حصن بدرية ( 2 ) وهي قلعة عظيمة على جبل شاهف منيع ، تحتها أودية عميقة يضرب بها المثل في سائر بلاد الفرنج والمسلمين ، فحاصرها أشد حصار وركب عليها المجانيق الكبار ، وفرق الجيش ثلاث فرق ، كل فريق يقاتل ، فإذا كلوا وتعبوا خلفهم الفريق الآخر ، حتى لا يزال القتال مستمرا ليلا ونهارا ، فكان فتحها في نوبة السلطان أخذها عنوة في أيام معدودات ، ونهب جميع ما فيها ، واستولى على حواصلها وأموالها ، وقتل حماتها ورجالها ، واستخدم نساءها وأطفالها ، ثم عدل عنها ففتح حصن دربساك وحصن بغراس ، كل ذلك يفتحه عنوة فيغنم ويسلم ، ثم سمت به همته العالية إلى فتح أنطاكية ، وذلك لأنه أخذ جميع ما حولها من القرى والمدن ، واستظهر عليها بكثرة الجنود ، فراسله صاحب أنطاكية يطلب منه الهدنة على أن يطلق من عنده من أسرى المسلمين ، فأجابه إلى ذلك لعلمه بتضجر من معه من الجيش ، فوقعت الهدنة على سبعة أشهر ( 3 ) ، ومقصود السلطان أن يستريح من تعبها ، وأرسل السلطان من تسلم منه الأسارى وقد ذلت دولة النصارى ، ثم سار فسأله ولده الظاهر أن يجتاز بحلب فأجابه إلى ذلك ، فنزل بقلعتها ثلاثة أيام ، ثم استقدمه ابن أخيه تقي الدين إليه إلى حماه فنزل عنده ليلة واحدة ، وأقطعه جبلة واللاذقية ، ثم سار فنزل بقلعة بعلبك ، ودخل حمامها ، ثم عاد إلى دمشق في أوائل رمضان ، وكان يوم مشهودا ، وجاءته البشائر بفتح الكرك وإنقاذه من أيدي الفرنج ، وأراح الله منهم تلك الناحية ، وسهل حزنها على السالكين من التجار والغزاة والحجاج ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) [ الانعام : 45 ] .
هامش
( 1 ) زاد ابن الأثير في تاريخه : ولما ملك المسلمون صهيون تفرقوا في تلك النواحي ، فملكوا حصن بلاطنوس ( في تاريخ أبي الفداء : بلادنوس ) ، وملك أيضا حصن العيدو ( في تاريخ أبي الفداء : العبد ) وحصن الجماهرتين ( 12 / 11 ) . ( 2 ) في الكامل 12 / 14 وابن خلدون 5 / 314 وتاريخ أبي الفداء 3 / 75 : برزية . ( 3 ) في ابن الأثير ثمانية أشهر : من أول تشرين الأول وآخرها : آخر أيام .