الشوبك يضيقون على أهلها ويحاصرونهم ، ليفرغ من أموره لقتال هذه الأماكن ، ولما رجع السلطان
من هذه الغزوة إلى دمشق وجد الصفي بن الفايض وكيل الخزانة قد بنى له دارا بالقلعة هائلة مطلة على
الشرف القبلي ، فغضب عليه وعزله وقال : إنا لم نخلق للمقام بدمشق ولا بغيرها من البلاد ، وإنما
خلقنا لعبادة الله عز وجل والجهاد في سبيله ، وهذا الذي عملته مما يثبط النفوس ويقعدها عما خلقت
له . وجلس السلطان بدار العدل فحضرت عنده القضاة وأهل الفضل ، وزار القاضي الفاضل في
بستانه على الشرف في جوسق ابن الفراش ، وحكى له ما جرى من الأمور ، واستشاره فيما يفعل في
المستقبل من المهمات والغزوات ، ثم خرج من دمشق فسلك على بيوس وقصد البقاع ، وسار إلى
حمص وحماه وجاءت الجيوش من الجزيرة وهو على العاصي ، فسار إلى السواحل الشمالية ففتح
أنطرطوس وغيرها من الحصون ، وجبلة واللاذقية ، وكانتا من أحصن المدن عمارة ورخاما ومحالا ،
وفتح صهيون ( 1 ) وبكاس والشغر وهما قلعتان على العاصي حصينتان ، فتحهما عنوة ، وفتح حصن
بدرية ( 2 ) وهي قلعة عظيمة على جبل شاهف منيع ، تحتها أودية عميقة يضرب بها المثل في سائر بلاد
الفرنج والمسلمين ، فحاصرها أشد حصار وركب عليها المجانيق الكبار ، وفرق الجيش ثلاث فرق ،
كل فريق يقاتل ، فإذا كلوا وتعبوا خلفهم الفريق الآخر ، حتى لا يزال القتال مستمرا ليلا ونهارا ،
فكان فتحها في نوبة السلطان أخذها عنوة في أيام معدودات ، ونهب جميع ما فيها ، واستولى على
حواصلها وأموالها ، وقتل حماتها ورجالها ، واستخدم نساءها وأطفالها ، ثم عدل عنها ففتح حصن
دربساك وحصن بغراس ، كل ذلك يفتحه عنوة فيغنم ويسلم ، ثم سمت به همته العالية إلى فتح
أنطاكية ، وذلك لأنه أخذ جميع ما حولها من القرى والمدن ، واستظهر عليها بكثرة الجنود ، فراسله
صاحب أنطاكية يطلب منه الهدنة على أن يطلق من عنده من أسرى المسلمين ، فأجابه إلى ذلك لعلمه
بتضجر من معه من الجيش ، فوقعت الهدنة على سبعة أشهر ( 3 ) ، ومقصود السلطان أن يستريح من
تعبها ، وأرسل السلطان من تسلم منه الأسارى وقد ذلت دولة النصارى ، ثم سار فسأله ولده الظاهر
أن يجتاز بحلب فأجابه إلى ذلك ، فنزل بقلعتها ثلاثة أيام ، ثم استقدمه ابن أخيه تقي الدين إليه إلى
حماه فنزل عنده ليلة واحدة ، وأقطعه جبلة واللاذقية ، ثم سار فنزل بقلعة بعلبك ، ودخل حمامها ،
ثم عاد إلى دمشق في أوائل رمضان ، وكان يوم مشهودا ، وجاءته البشائر بفتح الكرك وإنقاذه من
أيدي الفرنج ، وأراح الله منهم تلك الناحية ، وسهل حزنها على السالكين من التجار والغزاة
والحجاج ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) [ الانعام : 45 ] .
هامش
( 1 ) زاد ابن الأثير في تاريخه : ولما ملك المسلمون صهيون تفرقوا في تلك النواحي ، فملكوا حصن بلاطنوس ( في تاريخ
أبي الفداء : بلادنوس ) ، وملك أيضا حصن العيدو ( في تاريخ أبي الفداء : العبد ) وحصن الجماهرتين ( 12 / 11 ) .
( 2 ) في الكامل 12 / 14 وابن خلدون 5 / 314 وتاريخ أبي الفداء 3 / 75 : برزية .
( 3 ) في ابن الأثير ثمانية أشهر : من أول تشرين الأول وآخرها : آخر أيام .