شعبان ، بعد يوم الفتح بثمان ، فنصب المنبر ( 1 ) إلى جانب المحراب ، وبسطت البسط وعلقت
القناديل وتلي التنزيل ، وجاء الحق وبطلت الأباطيل ، وصفت السجادات وكثرت السجدات ،
وتنوعت العبادات ، وارتفعت الدعوات ، ونزلت البركات ، وانجلت الكربات ، وأقيمت
الصلوات ، وأذن المؤذنون ، وخرس القسيسون ، وزال البوس وطابت النفوس ، وأقبلت السعود
وأدبرت النحوس ، وعبد الله الأحد الصمد الذي ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد )
[ الاخلاص : 3 - 4 ] ، وكبره الراكع والساجد ، والقائم والقاعد ، وامتلأ الجامع وسالت لرقة
القلوب المدامع ، ولما أذن المؤذنون للصلاة قبل الزوال كادت القلوب تطير من الفرح في ذلك الحال ،
ولم يكن عين خطيب فبرز من السلطان المرسوم الصلاحي وهو في قبة الصخرة أن يكون القاضي محيي
الدين بن الزكي اليوم خطيبا ، فلبس الخلعة السوداء وخطب للناس خطبة سنية فصيحة بليغة ، ذكر
فيها شرف البيت المقدس ، وما ورد فيه من الفضائل والترغيبات ، وما فيه من الدلائل والامارات .
وقد أورد الشيخ أبو شامة الخطبة في الروضتين بطولها وكان أول ما قال ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا
والحمد لله رب العالمين ) [ الانعام : 45 ] .
ثم أورد تحميدات القرآن كلها ، ثم قال : " الحمد لله معز الاسلام بنصره ، ومذل الشرك
بقهره ، ومصرف الأمور بأمره ، ومزيد النعم بشكره ، ومستدرج الكافرين بمكره ، الذي قدر الأيام
دولا بعدله ، وجعل العاقبة للمتقين بفضله ، وأفاض ( 2 ) على العباد من طله وهطله ، [ و ] ( 3 ) أظهر
دينه على الدين كله ، القاهر فوق عباده فلا يمانع ، والظاهر على خليقته فلا ينازع ، والآمر بما يشاء
فلا يراجع ، والحاكم بما يريد فلا يدافع ، أحمده على إظفاره وإظهاره ، وإعزازه لأوليائه ونصرة
أنصاره ، ومطهر بيت المقدس من أدناس الشرك وأوضاره ، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر
أجهاره ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن
له كفوا أحد ، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه ، وأرضى به ربه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رافع
الشكر وداحض الشرك ، ورافض ( 4 ) الإفك ، الذي أسري به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد
الأقصى ، وعرج به منه إلى السماوات العلى ، إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ، ما زاغ البصر وما
طغى ، صلى الله عليه وسلم وعلى خليفته الصديق السابق إلى الايمان ، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من
رفع عن هذا البيت شعار الصلبان ، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن ،
هامش
( 1 ) حمل المنبر من حلب ، وكان نور الدين قد أمر الصناع ببنائه ، فاستمروا في صناعته عدة سنين وكان بين الانتهاء من
بنائه وحمله إلى بيت المقدس عشرون سنة . ( انظر الكامل 11 / 552 - وابن خلدون 5 / 310 ) .
( 2 ) في وفيات الأعيان 4 / 231 : وأفاء على عباده من ظله .
( 3 ) من وفيات الأعيان .
( 4 ) في الوفيات : وراحض .