تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
شعبان ، بعد يوم الفتح بثمان ، فنصب المنبر ( 1 ) إلى جانب المحراب ، وبسطت البسط وعلقت القناديل وتلي التنزيل ، وجاء الحق وبطلت الأباطيل ، وصفت السجادات وكثرت السجدات ، وتنوعت العبادات ، وارتفعت الدعوات ، ونزلت البركات ، وانجلت الكربات ، وأقيمت الصلوات ، وأذن المؤذنون ، وخرس القسيسون ، وزال البوس وطابت النفوس ، وأقبلت السعود وأدبرت النحوس ، وعبد الله الأحد الصمد الذي ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) [ الاخلاص : 3 - 4 ] ، وكبره الراكع والساجد ، والقائم والقاعد ، وامتلأ الجامع وسالت لرقة القلوب المدامع ، ولما أذن المؤذنون للصلاة قبل الزوال كادت القلوب تطير من الفرح في ذلك الحال ، ولم يكن عين خطيب فبرز من السلطان المرسوم الصلاحي وهو في قبة الصخرة أن يكون القاضي محيي الدين بن الزكي اليوم خطيبا ، فلبس الخلعة السوداء وخطب للناس خطبة سنية فصيحة بليغة ، ذكر فيها شرف البيت المقدس ، وما ورد فيه من الفضائل والترغيبات ، وما فيه من الدلائل والامارات . وقد أورد الشيخ أبو شامة الخطبة في الروضتين بطولها وكان أول ما قال ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) [ الانعام : 45 ] . ثم أورد تحميدات القرآن كلها ، ثم قال : " الحمد لله معز الاسلام بنصره ، ومذل الشرك بقهره ، ومصرف الأمور بأمره ، ومزيد النعم بشكره ، ومستدرج الكافرين بمكره ، الذي قدر الأيام دولا بعدله ، وجعل العاقبة للمتقين بفضله ، وأفاض ( 2 ) على العباد من طله وهطله ، [ و ] ( 3 ) أظهر دينه على الدين كله ، القاهر فوق عباده فلا يمانع ، والظاهر على خليقته فلا ينازع ، والآمر بما يشاء فلا يراجع ، والحاكم بما يريد فلا يدافع ، أحمده على إظفاره وإظهاره ، وإعزازه لأوليائه ونصرة أنصاره ، ومطهر بيت المقدس من أدناس الشرك وأوضاره ، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر أجهاره ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه ، وأرضى به ربه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رافع الشكر وداحض الشرك ، ورافض ( 4 ) الإفك ، الذي أسري به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى ، وعرج به منه إلى السماوات العلى ، إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ، ما زاغ البصر وما طغى ، صلى الله عليه وسلم وعلى خليفته الصديق السابق إلى الايمان ، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان ، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن ،
هامش
( 1 ) حمل المنبر من حلب ، وكان نور الدين قد أمر الصناع ببنائه ، فاستمروا في صناعته عدة سنين وكان بين الانتهاء من بنائه وحمله إلى بيت المقدس عشرون سنة . ( انظر الكامل 11 / 552 - وابن خلدون 5 / 310 ) . ( 2 ) في وفيات الأعيان 4 / 231 : وأفاء على عباده من ظله . ( 3 ) من وفيات الأعيان . ( 4 ) في الوفيات : وراحض .