قال : وليس هذا من قبيل علم الحروف ، ولا من بابا الكرامات والمكاشفات ، ولا ينال في
حساب ، قال : وقد ذكر في تفسير سورة القدر أنه لو علم الوقت الذي نزل فيه القرآن لعلم الوقت
الذي يرفع فيه .
قلت : ابن برجان ذكر هذا في تفسيره في حدود سنة ثنتين وعشرين وخمسمائة ، ويقال إن الملك
نور الدين أوقف على ذلك فطمع أن يعيش إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، لان مولده في سنة
إحدى عشر وخمسمائة ، فتهيأ لأسباب ذلك حتى إنه أعد منبرا عظيما لبيت المقدس إذا فتحه والله
أعلم .
وأما الصخرة المعظمة فإن السلطان أزال ما حولها من المنكرات والصور والصلبان ، وطهرها
بعد ما كانت جيفة ، وأظهرها بعد ما كانت خفية مستورة غير مرئية ، وأمر الفقيه عيسى الهكاري أن
يعمل حولها شبابيك من حديد ، ورتب لها إماما راتبا ، وقف عليه رزقا جيدا ، وكذلك إمام
الأقصى ، وعمل للشافعية مدرسة يقال لها الصلاحية والناصرية أيضا ، وكان موضعها كنيسة على قبر
حنة أم مريم ، ووقف على الصوفية رباطا كان للبترك إلى جنب القمامة ، وأجرى على الفقهاء
والفقراء الجوامك ، وأرصد الختم والربعات في أرجاء المسجد الأقصى والصخرة ، ليقرأ فيها المقيمون
والزائرون وتنافس بنو أيوب فيما يفعلونه ببيت المقدس وغيره من الخيرات إلى كل أحد ، وعزم
السلطان على هدم القمامة وأن يجعلها دكا لتنحسم مادة النصارى من بيت المقدس ، فقيل [ له ] إنهم
لا يتركون الحج إلى هذه البقعة ، ولو كانت قاعا صفصفا ، وقد فتح هذه البلد قبلك أمير المؤمنين
عمر بن الخطاب وترك هذه الكنيسة بأيديهم ، ولك في ذلك أسوة . فأعرض عنها وتركها على حالتها
تأسيا بعمر رضي الله عنه ، ولم يترك من النصارى فيها سوى أربعة يخدمونها ، وحال بين النصارى
وبينها ، وهدم المقابر التي كانت لهم عند باب الرحمة ، وعفا آثارها ، وهدم ما كان هناك من القباب .
وأما أسارى المسلمين الذين كانوا بالقدس فإنه أطلقهم جميعهم ، وأحسن إليهم ، وأطلق لهم
إعطاءات سنية ، وكساهم وانطلق كل منهم إلى وطنه : وعاد إلى أهله ومسكنه ، فلله الحمد على
نعمه ومننه .
فصل
فلما فرغ السلطان صلاح الدين من القدس الشريف انفصل عنها في الخامس والعشرين ( 1 ) من
شعبان قاصدا مدينة صور بالساحل ، وكان فتحها قد تأخر ، وقد استحوذ عليها بعد وقعة حطين
هامش
( 1 ) في ابن خلدون 5 / 311 : آخر شعبان . وقال أبو الفداء في تاريخه : ونزل السلطان على صور تاسع شهر رمضان
وحاصرها .