تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
قال : وليس هذا من قبيل علم الحروف ، ولا من بابا الكرامات والمكاشفات ، ولا ينال في حساب ، قال : وقد ذكر في تفسير سورة القدر أنه لو علم الوقت الذي نزل فيه القرآن لعلم الوقت الذي يرفع فيه . قلت : ابن برجان ذكر هذا في تفسيره في حدود سنة ثنتين وعشرين وخمسمائة ، ويقال إن الملك نور الدين أوقف على ذلك فطمع أن يعيش إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، لان مولده في سنة إحدى عشر وخمسمائة ، فتهيأ لأسباب ذلك حتى إنه أعد منبرا عظيما لبيت المقدس إذا فتحه والله أعلم . وأما الصخرة المعظمة فإن السلطان أزال ما حولها من المنكرات والصور والصلبان ، وطهرها بعد ما كانت جيفة ، وأظهرها بعد ما كانت خفية مستورة غير مرئية ، وأمر الفقيه عيسى الهكاري أن يعمل حولها شبابيك من حديد ، ورتب لها إماما راتبا ، وقف عليه رزقا جيدا ، وكذلك إمام الأقصى ، وعمل للشافعية مدرسة يقال لها الصلاحية والناصرية أيضا ، وكان موضعها كنيسة على قبر حنة أم مريم ، ووقف على الصوفية رباطا كان للبترك إلى جنب القمامة ، وأجرى على الفقهاء والفقراء الجوامك ، وأرصد الختم والربعات في أرجاء المسجد الأقصى والصخرة ، ليقرأ فيها المقيمون والزائرون وتنافس بنو أيوب فيما يفعلونه ببيت المقدس وغيره من الخيرات إلى كل أحد ، وعزم السلطان على هدم القمامة وأن يجعلها دكا لتنحسم مادة النصارى من بيت المقدس ، فقيل [ له ] إنهم لا يتركون الحج إلى هذه البقعة ، ولو كانت قاعا صفصفا ، وقد فتح هذه البلد قبلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وترك هذه الكنيسة بأيديهم ، ولك في ذلك أسوة . فأعرض عنها وتركها على حالتها تأسيا بعمر رضي الله عنه ، ولم يترك من النصارى فيها سوى أربعة يخدمونها ، وحال بين النصارى وبينها ، وهدم المقابر التي كانت لهم عند باب الرحمة ، وعفا آثارها ، وهدم ما كان هناك من القباب . وأما أسارى المسلمين الذين كانوا بالقدس فإنه أطلقهم جميعهم ، وأحسن إليهم ، وأطلق لهم إعطاءات سنية ، وكساهم وانطلق كل منهم إلى وطنه : وعاد إلى أهله ومسكنه ، فلله الحمد على نعمه ومننه .

فصل

فلما فرغ السلطان صلاح الدين من القدس الشريف انفصل عنها في الخامس والعشرين ( 1 ) من شعبان قاصدا مدينة صور بالساحل ، وكان فتحها قد تأخر ، وقد استحوذ عليها بعد وقعة حطين
هامش
( 1 ) في ابن خلدون 5 / 311 : آخر شعبان . وقال أبو الفداء في تاريخه : ونزل السلطان على صور تاسع شهر رمضان وحاصرها .