تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
فلما سمع السلطان ذلك أجاب إلى الصلح وأناب ، على أن يبذل كل رجل منهم عن نفسه عشرة دنانير ، وعن المرأة خمسة دنانير ، وعن كل صغير وصغيرة دينارين ( 1 ) ، ومن عجز عن ذلك كان أسيرا للمسلمين ، وأن تكون الغلات والأسلحة والدور للمسلمين ، وأنهم يتحولون منها إلى مأمنهم وهي مدينة صور . فكتب الصلح بذلك ، وأن من لم يبذل ما شرط عليه إلى أربعين يوما فهو أسير ، فكان جملة من أسر بهذا الشرط ستة عشر ألف أسير ( 2 ) من رجال ونساء وولدان ، ودخل السلطان والمسلمون البلد يوم الجمعة قبل وقت الصلاة بقليل ، وذلك يوم السابع والعشرين ( 3 ) من رجب . قال العماد : وهي ليلة الاسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى . قال أبو شامة : وهو أحد الأقوال في الاسراء ، ولم يتفق للمسلمين صلاة الجمعة يومئذ خلافا لمن زعم أنها أقيمت يومئذ ، وأن السلطان خطب بنفسه بالسواد ، والصحيح أن الجمعة لم يتمكنوا من إقامتها يومئذ لضيق الوقت ، وإنما أقيمت في الجمعة المقبلة ، وكان الخطيب محيي الدين بن محمد بن علي القرشي بن الزكي كما سيأتي قريبا . ولكن نظفوا المسجد الأقصى مما كان فيه من الصلبان والرهبان والخنازير ، وخربت دور الداوية وكانوا قد بنوها غربي المحراب الكبير ، واتخذوا المحراب مشتا لعنهم الله ، فنظف من ذلك كله ، وأعيد إلى ما كان عليه في الأيام الاسلامية ، وغسلت الصخرة بالماء الطاهر ، وأعيد غسلها بماء الورد والمسك الفاخر ، وأبرزت للناظرين ، وقد كانت مستورة مخبوءة عن الزائرين ، ووضع الصليب عن قبتها ، وعادت إلى حرمتها ، وقد كان الفرنج قلعوا منها قطعا فباعوها من أهل البحور الجوانية بزنتها ذهبا ، فتعذر استعادة ما قطع منها . ثم قبض من الفرنج ما كانوا بذلوه عن أنفسهم من الأموال ، وأطلق السلطان خلقا منهم بنات الملوك بن معهن من النساء والصبيان والرجال ، ووقعت المسامحة في كثير منهم ، وشفع في أناس كثير فعفا عنهم ، وفرق السلطان جميع ما قبض منهم من الذهب في العسكر ، ولم يأخذ منه شيئا مما يقتنى ويدخر ، وكان رحمه الله حليما كريما مقداما شجاعا رحيما .

أول جمعة أقيمت ببيت المقدس بعد فتحه

لما تطهر بيت المقدس مما كان فيه من الصلبان والنواقيس والرهبان والقساقس ، ودخله أهل الايمان ، ونودي بالاذان وقرئ القرآن ، ووحد الرحمن ، كان أول جمعة أقيمت في اليوم الرابع من
هامش
( 1 ) في تاريخ الحروب الصليبية : 2 / 752 : ودينار للطفل . ( 2 ) كذا بالأصل ، وابن الأثير وقال : هذا بالضبط واليقين . وقال ابن العبري : خمسة آلاف . ( 3 ) في تاريخ ابن خلدون 5 / 310 : يوم الجمعة لتسع وعشرين من رجب .