لما افتتح السلطان تلك الأماكن المذكورة فيما تقدم ، أمر العساكر فاجتمعت ثم سار نحو بيت
المقدس ، فنزل غربي بيت المقدس في الخامس عشر من رجب من هذه السنة - أعني سنة ثلاث
وثمانين وخمسمائة - فوجد البلد قد حصنت غاية التحصين ، وكانوا ستين ألف مقاتل ، دون بيت
المقدس أو يزيدون ، وكان صاحب القدس يومئذ رجلا يقال له بالبان بن بازران ( 1 ) ، ومعه من سلم
من وقعة حطين يوم التقى الجمعان ، من الداوية والاسبتارية ( 2 ) أتباع الشيطان ، وعبدة الصلبان ،
فأقام السلطان بمنزله المذكور خمسة أيام ، وسلم إلى كل طائفة من الجيش ناحية من السور وأبراجه ،
ثم تحول السلطان إلى ناحية الشام لأنه رآها أوسع للمجال ، والجلاد والنزال ، وقاتل الفرنج دون
البلد قتالا هائلا ، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في نصرة دينهم وقمامتهم ، واستشهد في الحصار بعض
أمراء المسلمين ( 3 ) ، فحنق عند ذلك كثير من الامراء والصالحين ، واجتهدوا في القتال ونصب
المناجنيق والعرادات على البلد ، وغنت السيوف والرماح الخطيات ، والعيون تنظر إلى الصلبان
منصوبة فوق الجدران ، وفوق قبة الصخرة صليب كبير ، فزاد ذلك أهل الايمان حنقا وشدة
التشمير ، وكان ذلك يوما عسيرا على الكافرين غير يسير ، فبادر السلطان بأصحابه إلى الزاوية
الشرقية الشمالية من السور فنقبها وعلقها وحشاها وأحرقها ، فسقط ذلك الجانب وخر البرج برمته
فإذا هو واجب ، فلما شاهد الفرنج ذلك الحادث الفظيع ، والخطب المؤلم الوجيع ، قصد أكابرهم
السلطان وتشفعوا إليه أن يعطيهم الأمان ، فامتنع من ذلك وقال : لا أفتحها إلا عنوة ، كما
افتتحتموها أنتم عنوة ، ولا أترك بها أحدا من النصارى إلا قتلته كما قتلتم أنتم من كان بها من
المسلمين ، فطلب صاحبها بالبان بن بازران ( 1 ) الأمان ليحضر عنده فأمنه ، فلما حضر ترقق
للسلطان وذل ذلا عظيما ، وتشفع إليه بكل ما أمكنه فلم يجبه إلى الأمان لهم ، فقالوا إن لم تعطنا
الأمان رجعنا فقتلنا كل أسير بأيدينا - وكانوا قريبا من أربعة آلاف ( 4 ) - وقتلنا ذرارينا وأولادنا
ونساءنا - وخربنا الدور والأماكن الحسنة ، وأحرقنا المتاع وأتلفنا ما بأيدينا من الأموال ، وهدمنا قبة
الصخرة وحرقنا ما نقدر عليه ، ولا نبقي ممكنا في إتلاف ما نقدر عليه ، وبعد ذلك نخرج فنقاتل
قتال الموت ، ولا خير في حياتنا بعد ذلك ، فلا يقتل واحد منا حتى يقتل أعدادا منكم ، فماذا
ترتجي بعد هذا من الخير ؟
هامش
( 1 ) في الكامل : باليان بن بيرزان ، وفي تاريخ ابن خلدون وابن العبري : بليان بن نيرزان . وفي تاريخ الحروب
الصليبية : باليان ابلين . وباليان : صاحب الرملة . وقد تولى قيادة الفرنج وكان قد دخل القدس بعد شرط عليه صلاح
ألا يقيم في بيت المقدس إلا ليلة واحدة ، وبعد دخوله لم يسمح له بالخروج وأجبر على تولي قيادة جماعات الفرنج التي
وجدت فيها ، فكتب إلى صلاح الدين يشرح له إقدامه على انتهاك اليمين التي بذلها ( انظر تاريخ الحروب الصليبية
2 / 748 ) .
( 2 ) من المراجع المذكورة سابقا ; وفي الأصل " الاستثارية " .
( 3 ) ومنهم : الأمير عز الدين عيسى بن مالك وهو من أكابر الامراء . وكان أبوه صاحب قلعة جعبر .
( 4 ) في الكامل وابن خلدون وابن العبري : خمسة آلاف .