تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
لما افتتح السلطان تلك الأماكن المذكورة فيما تقدم ، أمر العساكر فاجتمعت ثم سار نحو بيت المقدس ، فنزل غربي بيت المقدس في الخامس عشر من رجب من هذه السنة - أعني سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة - فوجد البلد قد حصنت غاية التحصين ، وكانوا ستين ألف مقاتل ، دون بيت المقدس أو يزيدون ، وكان صاحب القدس يومئذ رجلا يقال له بالبان بن بازران ( 1 ) ، ومعه من سلم من وقعة حطين يوم التقى الجمعان ، من الداوية والاسبتارية ( 2 ) أتباع الشيطان ، وعبدة الصلبان ، فأقام السلطان بمنزله المذكور خمسة أيام ، وسلم إلى كل طائفة من الجيش ناحية من السور وأبراجه ، ثم تحول السلطان إلى ناحية الشام لأنه رآها أوسع للمجال ، والجلاد والنزال ، وقاتل الفرنج دون البلد قتالا هائلا ، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في نصرة دينهم وقمامتهم ، واستشهد في الحصار بعض أمراء المسلمين ( 3 ) ، فحنق عند ذلك كثير من الامراء والصالحين ، واجتهدوا في القتال ونصب المناجنيق والعرادات على البلد ، وغنت السيوف والرماح الخطيات ، والعيون تنظر إلى الصلبان منصوبة فوق الجدران ، وفوق قبة الصخرة صليب كبير ، فزاد ذلك أهل الايمان حنقا وشدة التشمير ، وكان ذلك يوما عسيرا على الكافرين غير يسير ، فبادر السلطان بأصحابه إلى الزاوية الشرقية الشمالية من السور فنقبها وعلقها وحشاها وأحرقها ، فسقط ذلك الجانب وخر البرج برمته فإذا هو واجب ، فلما شاهد الفرنج ذلك الحادث الفظيع ، والخطب المؤلم الوجيع ، قصد أكابرهم السلطان وتشفعوا إليه أن يعطيهم الأمان ، فامتنع من ذلك وقال : لا أفتحها إلا عنوة ، كما افتتحتموها أنتم عنوة ، ولا أترك بها أحدا من النصارى إلا قتلته كما قتلتم أنتم من كان بها من المسلمين ، فطلب صاحبها بالبان بن بازران ( 1 ) الأمان ليحضر عنده فأمنه ، فلما حضر ترقق للسلطان وذل ذلا عظيما ، وتشفع إليه بكل ما أمكنه فلم يجبه إلى الأمان لهم ، فقالوا إن لم تعطنا الأمان رجعنا فقتلنا كل أسير بأيدينا - وكانوا قريبا من أربعة آلاف ( 4 ) - وقتلنا ذرارينا وأولادنا ونساءنا - وخربنا الدور والأماكن الحسنة ، وأحرقنا المتاع وأتلفنا ما بأيدينا من الأموال ، وهدمنا قبة الصخرة وحرقنا ما نقدر عليه ، ولا نبقي ممكنا في إتلاف ما نقدر عليه ، وبعد ذلك نخرج فنقاتل قتال الموت ، ولا خير في حياتنا بعد ذلك ، فلا يقتل واحد منا حتى يقتل أعدادا منكم ، فماذا ترتجي بعد هذا من الخير ؟
هامش
( 1 ) في الكامل : باليان بن بيرزان ، وفي تاريخ ابن خلدون وابن العبري : بليان بن نيرزان . وفي تاريخ الحروب الصليبية : باليان ابلين . وباليان : صاحب الرملة . وقد تولى قيادة الفرنج وكان قد دخل القدس بعد شرط عليه صلاح ألا يقيم في بيت المقدس إلا ليلة واحدة ، وبعد دخوله لم يسمح له بالخروج وأجبر على تولي قيادة جماعات الفرنج التي وجدت فيها ، فكتب إلى صلاح الدين يشرح له إقدامه على انتهاك اليمين التي بذلها ( انظر تاريخ الحروب الصليبية 2 / 748 ) . ( 2 ) من المراجع المذكورة سابقا ; وفي الأصل " الاستثارية " . ( 3 ) ومنهم : الأمير عز الدين عيسى بن مالك وهو من أكابر الامراء . وكان أبوه صاحب قلعة جعبر . ( 4 ) في الكامل وابن خلدون وابن العبري : خمسة آلاف .
البداية والنهاية — صفحة 395 | ابن كثير / علي شيري