تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
الأصل ، البغدادي المنشأ ، وذكره العماد في الجريدة . قال : وكان صاحبي ، وجلس للوعظ وحضر عنده السلطان صلاح الدين ، وأورد له مقطعات أشعار ، فمن ذلك ما كان يقول : يا مالكا مهجتي يا منتهى أملي * يا حاضرا شاهدا في القلب والفكر خلقتني من تراب أنت خالقه * حتى إذا صرت تمثالا من الصور أجريت في قالبي روحا منورة * تمر فيه كجري الماء في الشجر جمعتني من صفا روح منورة * وهيكل صغته من معدن كدر إن غبت فيك فيا فخري ويا شرفي * وإن حضرت فيا سمعي ويا بصري أو احتجبت فسرى فيك في وله * وإن خطرت فقلبي منك في خطر تبدو فتمحو رسومي ثم تثبتها * وإن تغيب ( 1 ) عني عشت بالأثر وفيها توفي من الأعيان الحافظ أبو القاسم ابن عساكر .

علي بن الحسن بن هبة الله

ابن عساكر أبو القاسم الدمشقي ، أحد أكابر حفاظ الحديث ومن عنى به سماعا وجمعا وتصنيفا واطلاعا وحفظا لأسانيده ومتونه ، وإتقانا لأساليبه وفنونه ، وصنف تاريخ الشام في ثمانين مجلدة ، فهي باقية بعده مخلدة ، وقد ندر على من تقدمه من المؤرخين ، وأتعب من يأتي بعده من المتأخرين ، فحاز فيه قصب السبق ، ومن نظر فيه وتأمله رأى ما وصفه فيه وأصله ، وحكم بأنه فريد دهره ، في التواريخ ، وأنه الذروة العليا من الشماريخ ، هذا مع ما له في علوم الحديث من الكتب المفيدة ، وما هو مشتمل عليه من العبادة والطرائق الحميدة ، فله أطراف الكتب الستة ، والشيوخ النبل ، وتبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري ، وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار ، والاجزاء والاسفار ، وقد أكثر في طلب الحديث من الترحال والاسفار ، وجاز المدن والأقاليم والأمصار ، وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الحفاظ نسخا واستنساخا ، ومقابلة وتصحيح الألفاظ ، وكان من أكابر سروات الدماشقة ، ورياسته فيهم عالية باسقة ، من ذوي الاقدار والهيئات ، والأموال الجزيلة ، والصلاة والهبات ، كانت وفاته في الحادي عشر من رجب ، وله من العمر ثنتان وسبعون سنة ، وحضر السلطان صلاح الدين جنازته ودفن بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى . وكان الذي صلى عليه الشيخ قطب الدين النيسابوري . قال ابن خلكان وله أشعار كثيرة منها : أيا نفس ويحك جاء المشيب * فماذا التصابي وماذا الغزل ؟
هامش
( 1 ) في الروضتين 1 / 2 / 668 : تغيبت .
البداية والنهاية — صفحة 361 | ابن كثير / علي شيري