تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
وما عن رضى كانت سليمى بديلة * ولكنها للضرورات أحكام وكانت إقامة السلطان بالشام وإرسال الجيش صحبة القاضي الفاضل غاية الحزم والتدبير ، ليحفظ ما استجد من الممالك خوفا عليه مما هنالك ، فلما أرسل الجيوش إلى مصر وبقي هو في طائفة يسيرة والله قد تكفل له بالنصر ، كتب صاحب الموصل سيف الدين غازي ابن أخي نور الدين إلى جماعة الحلبيين يلومهم على ما وقع بينهم وبين الناصر من المصالحة ، وقد كان إذ ذاك مشغولا بمحاربة أخيه ومحاصرته ، وهو عماد الدين زنكي بسنجار ، وليست هذه بفعلة صالحة ، وما كان سبب قتاله لأخيه إلا لكونه أبى طاعة الملك الناصر ، فاصطلح مع أخيه حين عرف قوة الناصر وناصريه ، ثم حرض الحلبيين على نقض العهود ونبذها إليه ، فأرسلوا إليه بالعهود التي عاهدوه عليها ودعوه إليها ، فاستعان عليهم بالله وأرسل إلى الجيوش المصرية ليقدموا عليه ، فأقبل صاحب الموصل بعساكره ودساكره ، واجتمع بابن عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ، وسار في عشرين ألف ( 1 ) مقاتل على الخيول المضمرة الجرد الأبابيل ، وسار نحوهم الناصر وهو كالهزبر الكاسر ، وإنما معه ألف فارس من الحماة ، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، ولكن الجيوش المصرية قد خرجوا إليه قاصدين ، وله ناصرين في جحافل كالجبال ، فاجتمع الفريقان وتداعوا إلى النزال ، وذلك في يوم الخميس العاشر من شوال فاقتتلوا قتالا شديدا ، حتى حمل الملك الناصر بنفسه الكريمة ، وكانت بإذن الله الهزيمة ، فقتلوا خلقا من الحلبيين والمواصلة ، وأخذوا مضارب الملك سيف الدين غازي وحواصله ، وأسروا جماعة من رؤوسهم فأطلقهم الناصر بعد ما أفاض الخلع على أبدانهم ورؤوسهم ، وقد كانوا استعانوا بجماعة من الفرنج في حال القتال ، وهذا ليس من أفعال الابطال ، وقد وجد السلطان في مخيم السلطان غازي سبتا من الأقفاص التي فيها الطيور المطربة ، وذلك في مجلس شرابه المسكر ، وكيف من هذا حاله ومسلكه ينتصر ، فأمر السلطان بردها عليه وتسييرها إليه ، وقال للرسول قل له بعد وصولك إليه وسلامك عليه : اشتغالك بهذه الطيور أحب إليك مما وقعت فيه من المحذور ، وغنم منهم شيئا كثيرا ففرقه على أصحابه غيبا وحضورا ، وأنعم بخيمة سيف الدين غازي على ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بن نجم الدين ، ورد ما كان في وطاقه من الجواري والمغنيات ، وقد كان معه أكثر من مائة مغنية ، ورد آلات اللهو واللعب إلى حلب ، وقال قولوا لهم هذه أحب إليكم من الركوع والسجود ، ووجد عسكر المواصلة كالحانة من كثرة الخمور والبرابط والملاهي ، وهذه سبيل كل فاسق ساه لاهي .
هامش
( 1 ) علق ابن الأثير على ذلك في تاريخه : فإنني وقفت على جريدة العرض ، ولم يكن ( العدد ) كذلك ، إنما كان على التحقيق يزيد على 6 آلاف فارس أقل من خمسمائة . وإنما قصد ( من قال هذا العدد ) أن يعظم صاحبه - يعني العماد وصلاح الدين - بأنه هزم بستة آلاف عشرين ألفا .