وما عن رضى كانت سليمى بديلة * ولكنها للضرورات أحكام
وكانت إقامة السلطان بالشام وإرسال الجيش صحبة القاضي الفاضل غاية الحزم والتدبير ،
ليحفظ ما استجد من الممالك خوفا عليه مما هنالك ، فلما أرسل الجيوش إلى مصر وبقي هو في طائفة
يسيرة والله قد تكفل له بالنصر ، كتب صاحب الموصل سيف الدين غازي ابن أخي نور الدين إلى
جماعة الحلبيين يلومهم على ما وقع بينهم وبين الناصر من المصالحة ، وقد كان إذ ذاك مشغولا بمحاربة
أخيه ومحاصرته ، وهو عماد الدين زنكي بسنجار ، وليست هذه بفعلة صالحة ، وما كان سبب قتاله
لأخيه إلا لكونه أبى طاعة الملك الناصر ، فاصطلح مع أخيه حين عرف قوة الناصر وناصريه ، ثم
حرض الحلبيين على نقض العهود ونبذها إليه ، فأرسلوا إليه بالعهود التي عاهدوه عليها ودعوه إليها ،
فاستعان عليهم بالله وأرسل إلى الجيوش المصرية ليقدموا عليه ، فأقبل صاحب الموصل بعساكره
ودساكره ، واجتمع بابن عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ، وسار في عشرين ألف ( 1 ) مقاتل
على الخيول المضمرة الجرد الأبابيل ، وسار نحوهم الناصر وهو كالهزبر الكاسر ، وإنما معه ألف فارس
من الحماة ، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، ولكن الجيوش المصرية قد خرجوا إليه
قاصدين ، وله ناصرين في جحافل كالجبال ، فاجتمع الفريقان وتداعوا إلى النزال ، وذلك في يوم
الخميس العاشر من شوال فاقتتلوا قتالا شديدا ، حتى حمل الملك الناصر بنفسه الكريمة ، وكانت بإذن
الله الهزيمة ، فقتلوا خلقا من الحلبيين والمواصلة ، وأخذوا مضارب الملك سيف الدين غازي
وحواصله ، وأسروا جماعة من رؤوسهم فأطلقهم الناصر بعد ما أفاض الخلع على أبدانهم ورؤوسهم ،
وقد كانوا استعانوا بجماعة من الفرنج في حال القتال ، وهذا ليس من أفعال الابطال ، وقد وجد
السلطان في مخيم السلطان غازي سبتا من الأقفاص التي فيها الطيور المطربة ، وذلك في مجلس شرابه
المسكر ، وكيف من هذا حاله ومسلكه ينتصر ، فأمر السلطان بردها عليه وتسييرها إليه ، وقال
للرسول قل له بعد وصولك إليه وسلامك عليه : اشتغالك بهذه الطيور أحب إليك مما وقعت فيه من
المحذور ، وغنم منهم شيئا كثيرا ففرقه على أصحابه غيبا وحضورا ، وأنعم بخيمة سيف الدين غازي
على ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بن نجم الدين ، ورد ما كان في وطاقه من الجواري والمغنيات ، وقد
كان معه أكثر من مائة مغنية ، ورد آلات اللهو واللعب إلى حلب ، وقال قولوا لهم هذه أحب إليكم
من الركوع والسجود ، ووجد عسكر المواصلة كالحانة من كثرة الخمور والبرابط والملاهي ، وهذه
سبيل كل فاسق ساه لاهي .
هامش
( 1 ) علق ابن الأثير على ذلك في تاريخه : فإنني وقفت على جريدة العرض ، ولم يكن ( العدد ) كذلك ، إنما كان على
التحقيق يزيد على 6 آلاف فارس أقل من خمسمائة . وإنما قصد ( من قال هذا العدد ) أن يعظم صاحبه - يعني العماد
وصلاح الدين - بأنه هزم بستة آلاف عشرين ألفا .