تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠

فصل

فلما رجعت الجيوش إلى حلب وقد انقلبوا شر منقلب ، وندموا على ما نقضوا من الايمان ، وشقهم العصا على السلطان ، حصنوا البلد ، خوفا من الأسد ، وأسرع صاحب الموصل فوصلها ، وما صدق حتى دخلها ، فلما فرغ الناصر مما غنم أسر المسير إلى حلب وهو في غاية القوة ، فوجدهم قد حصنوها ، فقال المصلحة أن نبادر إلى فتح الحصون التي حول البلد ، ثم نعود إليهم فلا يمتنع علينا منهم أحد ، فشرع يفتحها حصنا حصنا ، ويهدم أركان دولتهم ركنا ركنا ، ففتح مراغة ( 1 ) ومنبج ثم سار إلى إعزاز فأرسل الحلبيون إلى سنان ( 2 ) فأرسل جماعة لقتل السلطان ، فدخل جماعة منهم في جيشه في زي الجند فقاتلوا أشد القتال ، حتى اختلطوا بهم فوجدوا ذات يوم فرصة والسلطان ظاهر للناس فحمل عليه واحد منهم فضربه بسكين على رأسه فإذا هو محترس منهم باللامة ، فسلمه الله ، غير أن السكين مرت على خده فجرحته جرحا هينا ، ثم أخذ الفداوي رأس السلطان فوضعه إلى الأرض ليذبحه ، ومن حوله قد أخذتهم دهشه ، ثم ثاب إليهم عقلهم فبادروا إلى الفداوي فقتلوه وقطعوه ، ثم هجم عليه آخر في الساعة الراهنة فقتل ، ثم هجم آخر على بعض الامراء فقتل أيضا ، ثم هرب الرابع فأدرك فقتل ، وبطل القتال ذلك اليوم ، ثم صمم السلطان على البلد ففتحها وأقطعها ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ، وقد اشتد حنقه على أهل حلب . لما أرسلوا إليه من الفداوية وإقدامهم على ذلك منه ، فجاء فنزل تجاه البلد على جبل جوشن ، وضربت خيمته على رأس الياروقية ( 3 ) ، وذلك في خامس عشر ذي الحجة ، وجبى الأموال وأخذ الخراج من القرى ، ومنع أن يدخل البلد شئ أو يخرج منه أحد ، واستمر محاصرا لها حتى انسلخت السنة . وفي ذي الحجة ( 4 ) من هذه السنة عاد نور الدولة أخو السلطان من بلاد اليمن إلى أخيه شوقا إليه ، وقد حصل أموالا جزيلة ، ففرح به السلطان ، فلما اجتمعا قال السلطان البر التقي : ( أنا يوسف وهذا أخي ) [ يوسف : 90 ] ، وقد استناب على بلاد اليمن من ذوي قرابته ، فلما استقر عند أخيه استنابه على دمشق وأعمالها ، وقيل إن قدومه كان قبل وقعة المواصلة ، وكان من أكبر أسباب الفتح والنصر ، لشجاعته وفروسيته . وفيها أنفذ تقي الدين عمر ابن أخي الناصر مملوكه بهاء الدين قراقوش في جيشه إلى بلاد المغرب ففتح بلادا كثيرة ، وغنم أموالا جزيلة ، ثم عاد إلى مصر . وفيها قدم إلى دمشق أبو الفتوح الواعظ عبد السلام بن يوسف بن محمد بن مقلد التنوخي الدمشقي
هامش
( 1 ) في الكامل 11 / 429 والروضتين 1 / 2 / 655 وتاريخ أبي الفداء 3 / 58 : بزاعة . ( 2 ) سنان صاحب الحشيشية . ( 3 ) من الروضتين ، وفي الأصل " البادوقية " وهو خطأ . والياروقية . محلة كبيرة بظاهر حلب ، تنسب إلى ياروق التركماني ، أحد رجال نور الدين محمود ، وقد توفي سنة 568 ه‍ . ( معجم البلدان ) . ( 4 ) وفي الروضتين : في شوال . وفي الكامل 11 / 434 : في رمضان .
البداية والنهاية — صفحة 360 | ابن كثير / علي شيري