تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
الجمرة ونملك الكرة ، ونقدم الجماعة ونرتب المقاتلة ، وندبر التعبئة ، إلى أن ظهرت في الشام الآثار التي لنا أجرها ، ولا يضرنا أن يكون لغيرنا ذكرها " ثم ذكر ما صنعوا بمصر من كسر الكفر وإزالة المنكر وقمع الفرنج وهدم البدع ، وما بسط من العدل ونشر من الفضل ، وما أقامه من الخطب العباسية ببلاد مصر واليمن والنوبة وإفريقية وغير ذلك ، بكلام بسيط حسن . فلما وصلهم الكتاب أساؤوا الجواب ، وقد كانوا كاتبوا صاحب الموصل سيف الدين غازي بن مودود أخي نور الدين محمود بن زنكي ، فبعث إليهم أخاه عز الدين في عساكره ، وأقبل إليهم في دساكره ، وانضاف إليهم الحلبيون وقصدوا حماه في غيبة الناصر واشتغاله بقلعة حمص وعمارتها ، فلما بلغه خبرهم سار إليهم في قل من الجيش ، فانتهى إليهم وهم في جحافل كثيرة ، فواقفوه وطمعوا فيه لقلة من معه ، وهموا بمناجزته فجعل يداريهم ويدعوهم إلى المصالحة لعل الجيش يلحقونه ، حتى قال لهم في جملة ما قال : أنا أقنع بدمشق وحدها وأقيم بها الخطبة للملك الصالح إسماعيل ، وأترك ما عداها من أرض الشام ، فامتنع من المصالحة الخادم سعد الدولة كمشتكين ، إلا أن يجعل لهم الرحبة التي هي بيد ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدين ، فقال ليس لي ذلك ، ولا أقدر عليه ، فأبوا الصلح وأقدموا على القتال ، فجعل جيشه كردوسا واحدا ، وذلك يوم الأحد التاسع عشر من رمضان عند قرون حماه ( 1 ) ، وصبر صبرا عظيما ، وجاء في أثناء الحال ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه ومعه أخوه فروخ شاه في طائفة من الجيش ، وقد ترجح دسته عليهم ، وخلص رعبه إليهم ، فولوا هنالك هاربين ، وتولوا منهزمين ، فأسر من أسر من رؤوسهم ، ونادى أن لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح ثم أطلق من وقع في أسره وسار على الفور إلى حلب ، وقد انعكس عليهم الحال وآلوا إلى شر مآل فبالأمس كان يطلب منهم المصالحة والمسالمة ، وهم اليوم يطلبون منه أن يكف عنهم ويرجع ، على أن المعرة وكفر طاب وماردين له زيادة على ما بيده من أراضي حماه وحمص ، فقبل ذلك وكف عنهم وحلف على أن لا يغزو بعدها الملك الصالح ، وأن يدعو له على سائر منار بلاده ، وشفع في بني الداية أخوه مجد الدين ، على أن يخرجوا ، ففعل ذلك ثم رجع مؤيدا منصورا . فلما كان بحماه وصلت إليه رسل الخليفة المستضئ بأمر الله بالخلع السنية والتشريفات العباسية والاعلام السود ، والتوقيع من الديوان بالسلطنة ببلاد مصر والشام ، وأفيضت الخلع على أهله وأقاربه وأصحابه وأعوانه ، وكان يوما مشهودا . واستناب على حماه ابن خاله وصهره الأمير شهاب الدين محمود ، ثم سار إلى حمص فأطلقها إلى ابن عمه ناصر الدين ، كما كانت من قبله لأبيه شيركوه أسد الدين ، ثم بعلبك على البقاع إلى دمشق في ذي القعدة . وفيها ظهر رجل من قرية مشغرا من معاملة دمشق وكان مغربيا فادعى النبوة ، وأظهر شيئا من
هامش
( 1 ) منطقة جبلية تشرف على مدينة حماه ، وهي مكونة من قلتين متقابلتين ( معجم البلدان : حماه ) .