تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦

يحيى بن عيسى

ابن إدريس أبو البركات الأنباري الواعظ ، قرأ القرآن وسمع الحديث وتفقه ووعظ الناس على طريقة الصالحين ، وكان يبكي من أول صعوده إلى حين نزوله ، وكان زاهدا عابدا ورعا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، ورزق أولادا صالحين سماهم بأسماء الخلفاء الأربعة ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحفظهم القرآن كلهم بنفسه ، وختم خلقا كثيرا ، وكان هو وزوجته يصومان الدهر ، ويقومان الليل ، ولا يفطران إلا بعد العشاء ، وكانت له كرامات ومنامات صالحة ، ولما مات قالت زوجته : اللهم لا تحيني بعده ، فماتت بعده بخمسة عشر يوما ، وكانت من الصالحات رحمهما الله تعالى .

ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة

فيها كثر فساد التركمان من أصحاب ابن برجم الايواني ، فجهز إليهم الخليفة منكورس ( 1 ) المسترشدي في جيش كثيف ، فالتقوا معهم فهزمهم أقبح هزيمة ، وجاؤوا بالأسارى والرؤوس إلى بغداد . وفيها كانت وقعة عظيمة بين السلطان محمود وبين الغز ، فكسروه ونهبوا البلاد ، وأقاموا بمرو ثم طلبوه إليهم فخاف على نفسه فأرسل ولده بين يديه فأكرموه ، ثم قدم السلطان عليهم فاجتمعوا عليه وعظموه . وفيها وقعت فتنة كبيرة بمرو بين فقيه الشافعية المؤيد بن الحسين ، وبين نقيب العلويين بها أبي القاسم زيد بن الحسن ، فقتل منهم خلق كثير ، وأحرقت المدارس والمساجد والأسواق ، وانهزم المؤيد الشافعي إلى بعض القلاع . وفيها ولد الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضئ بأمر الله ، وفيها خرج المقتفي نحو الأنبار متصيدا وعبر الفرات وزار الحسين ومضى إلى واسط وعاد إلى بغداد ، ولم يكن معه الوزير . وحج بالناس فيها قيماز الأرجواني . وفيها كسر جيش مصر الفرنج بأرض عسقلان كسروهم كسرة فجيعة صحبة الملك صالح أبو الغارات ، فارس الدين طلائع بن رزيك ، وامتدحه الشعراء . وفيها قدم الملك نور الدين من حلب إلى دمشق وقد شفي من المرض ففرح به المسلمون ، وخرج إلى قتال الفرنج ، فانهزم جيشه وبقي هو في شرذمة قليلة من أصحابه في نحر العدو ، فرموهم بالسهام الكثيرة ، ثم خاف الفرنج أن يكون وقوفه في هذه الشرذمة القليلة خديعة لمجئ كمين إليهم ، ففروا منهزمين ولله الحمد .
هامش
( 1 ) كذا بالأصل ، وفي الكامل 11 / 229 : خطلبرس وفي رواية عند ابن الأثير 11 / 239 : منكبرس المسترشدي . وفي العبر لابن خلدون 3 / 520 : خلطوا برأس .
البداية والنهاية — صفحة 296 | ابن كثير / علي شيري