تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣

فأعرض عن أحبابه ونعيمه * وعن لذة الدنيا وأصبح غازيا ( 1 ) وفي هذه السنة أقبلت الروم في مائة الف مقاتل فنزلوا قريبا ( 2 ) من طرسوس فخرج إليهم المسلمون فبيتوهم فقتلوا منهم في ليلة واحدة حتى الصباح نحوا من سبعين ألفا ولله الحمد . وقتل المقدم الذي عليهم وهو بطريق البطارقة ، وجرح أكثر الباقين ، وغنم المسلمون منهم غنيمة عظيمة ، ومن ذلك سبع صلبان من ذهب وفضة ، وصليبهم الأعظم وهو من ذهب صامت مكلل بالجواهر وأربع كراسي من ذهب ومائتي كرسي من فضة ، وآنية كثيرة ، وعشرة آلاف علم من ديباج ، وغنموا حرير كثيرا وأموالا جزيلة ، وخمسة عشر ألف دابة وسروجا وسلاحا وسيوفا محلاة وغير ذلك ولله الحمد . وفيها توفي من الأعيان . أحمد بن طولون أبو العباس أمير الديار المصرية وباني الجامع بها المنسوب إلى طولون ، وإنما بناه أحمد ابنه ( 3 ) ، وقد ملك دمشق والعواصم والثغور مدة طويلة ، وقد كان أبوه طولون من الأتراك الذين أهداهم نوح بن أسد الساماني عامل بخارى إلى المأمون في سنة مائتين ، ويقال إلى الرشيد في سنة تسعين ومائة . ولد أحمد هذا في سنة أربع عشرة ومائتين ، ومات طولون أبوه في سنة ثلاثين ، وقيل في سنة أربعين ومائتين . وحكى ابن خلكان : أنه لم يكن أباه وإنما تبناه والله أعلم . وحكى ابن عساكر أنه من جارية تركية اسمها هاشم . ونشأ أحمد هذا في صيانة وعفاف ورياسة ودراسة للقرآن العظيم ، مع حسن الصوت به ، وكان يعيب على أولاد الترك ما يرتكبونه من المحرمات والمنكرات ، وكانت أمه جارية اسمها هاشم . وحكى ابن عساكر عن بعض مشايخ مصر أن طولون لم يكن أباه وإنما كان قد تبناه لديانته وحسن صوته بالقرآن وظهور نجابته وصيانته من صغره ، وأن طولون اتفق له معه أن بعثه مرة في حاجة ليأتيه بها من دار الامارة فذهب فإذا حظية من حظايا طولون مع بعض الخدم وهما على فاحشة ، فأخذ حاجته التي أمره بها وكر راجعا إليه سريعا ، ولم يذكر له شيئا مما رأى من الحظية والخادم ، فتوهمت الحظية أن يكون أحمد قد أخبر طولون بما رأى ، فجاءت إلى طولون فقالت : إن أحمد جاءني الآن إلى المكان الفلاني وراودني عن نفسي وانصرفت إلى قصرها ، فوقع في نفسه صدقها فاستدعى أحمد وكتب معه كتابا وختمه إلى بعض الأمراء ولم يواجه أحمد بشئ مما قالت الجارية ، وكان في الكتاب أن ساعة وصول حامل هذا الكتاب إليك تضرب عنقه وأبعث برأسه سريعا إلي . فذهب .

هامش
( 1 ) في ابن الأثير : عاريا . ( 2 ) نزلوا بناحية باب قلمية على ستة أميال من طرسوس ( الطبري - ابن الأثير ) . ( 3 ) قال القضاعي في الخطط : شرع أحمد في بنائه سنة 264 وفرغ منه في سنة 266 ( ابن خلكان 1 / 173 - ولاة مصر للكندي - ص 245 )