الجيوش الكثيفة الهائلة وراءه فقصدوا الخبيث وقد تحصن ببلدة أخرى ، فلم يزل به محاصرا له حتى أخرجه منها ذليلا ، واستحوذ على ما كان بها من الأموال والمغانم ، ثم بعث السرايا والجيوش وراء حاجب الزنج فأسروا عامة من كان معه من خاصته وجماعته ، منهم سليمان بن جامع فاستبشر الناس بأسره وكبروا الله وحمدوه فرحا بالنصر والفتح ، وحمل الموفق بمن معه حملة واحدة على أصحاب الخبيث فاستحر فيهم القتل ، وما انجلت الحرب حتى جاء البشير بقتل صاحب الزنج في المعركة ، وأتي برأسه مع غلام لؤلؤة الطولوني ، فلما تحقق الموقف أنه رأسه بعد شهادة الأمراء الذين كانوا معه من أصحابه بذلك خر ساجدا لله ، ثم انكفأ راجعا إلى الموفقية ورأس الخبيث يحمل بين يديه ، وسليمان معه أسير ، فدخل البلد وهو كذلك ، وكان يوما مشهودا وفرح المسلمون بذلك في المغارب والشارق ، ثم جئ بأنكلاني ولد صاحب الزنج وأبان بن علي المهلبي مسعر حربهم مأسورين ومعهم قريب من خمسة آلاف أسير ، فتم السرور وهرب قرطاس الذي رمى الموفق بصدره بذلك السهم إلى رامهرمز فأخذ وبعث به إلى الموفق فقتله أبو العباس أحمد بن الموفق . واستتاب من بقي من أصحاب صاحب الزنج وأمنهم الموفق ونادى في الناس بالأمان ، وأن يرجع كل من كان أخرج من دياره بسبب الزنج إلى أوطانهم وبلدانهم ، ثم سار إلى بغداد وقدم ولده أبا العباس بين يديه ومعه رأس الخبيث يحمل ليراه الناس فدخلها لثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادي الأولى من هذه السنة وكان يوما مشهودا ، وانتهت أيام صاحب الزنج المدعي الكذاب قبحه الله . وقد كان ظهوره في يوم الأربعاء لأربع بقين من رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين ، وكان هلاكه يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين . وكانت دولته أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام ولله الحمد والمنة . وقد قيل في انقضاء دولة الزنج وما كان من النصر عليهم أشعار كثيرة ، من ذلك قول يحيى بن محمد الأسلمي : أقول وقد جاء البشير بوقعة * أعزت من الاسلام ما كان واهيا جزى الله خير الناس للناس بعدما * أبيح حماهم خير ما كان جازيا تفرد إذ لم ينصر الله ناصر * بتجديد دين كان أصبح باليا وتشديد ( 1 ) ملك قد وهى عبد عزه * وأخذ بثأرات ( 2 ) تبير الأعاديا ورد عمارات أزيلت وأخربت * ليرجع فئ قد تخرم وافيا وترجع أمصار أبيحت وأحرقت * مرارا وقد أمست قواء عوافيا ويشفى صدور المسلمين ( 3 ) بوقعة * تقربها منا العيون البواكيا ويتلى كتاب الله في كل مسجد * ويلقى دعاء الطالبين خاسيا .
البداية والنهاية — صفحة 52
مساهمون: ابن كثير
ص٥٢
هامش
( 1 ) في ابن الأثير 7 / 406 : وتجديد .
( 2 ) في الطبري 11 / 327 : وادراك ثارات .
( 3 ) في الطبري : المؤمنين