إليه ، فلما كتب إليه أقبل لنصره ، فلما سمع به جوهر لم يمكنه ان يبقى بين عدوين من داخل البلد
وخارجها ، فارتحل قاصدا الرملة فتبعه الفتكين والقرمطي في نحو من خمسين ألفا ، فتواقعوا عند نهر
الطواحين على ثلاث فراسخ من الرملة ، وحصروا جوهرا بالرملة فضاق حاله جدا من قلة الطعام
والشراب ، حتى أشرف هو ومن معه على الهلاك ، فسأل من الفتكين على أن يجتمع هو وهو على ظهور
الخيل ، فأجابه إلى ذلك ، فلم يزل يترفق له أن يطلقه حتى يذهب بمن معه من أصحابه إلى أستاذه
شاكرا له مثنيا عليه الخير ، ولا يسمع من القرمطي فيه - وكان جوهر داهية - فأجابه إلى ذلك فندمه
القرمطي وقال : الرأي أنا كنا نحصرهم حتى يموتوا عن آخرهم فإنه يذهب إلى أستاذه ثم يجمع
العساكر ويأتينا ، ولا طاقة لنا به . وكان الامر كما قال ، فإنه لما أطلقه الفتكين من الحصر لم يكن له
دأب إلا أنه حث العزيز على الخروج إلى الفتكين بنفسه ، فأقبل في جحافل أمثال الجبال ، وفي كثرة
من الرجال والعدد والأثقال والأموال ، وعلى مقدمته جوهر القائد . وجمع الفتكين والقرمطي الجيوش
والاعراب وساروا إلى الرملة فاقتتلوا في محرم سنة سبع وستين ، ولما تواجهوا رأى العزيز من شجاعة
الفتكين ما بهره ، فأرسل إليه يعرض عليه إن أطاعه ورجع إليه أن يجعله مقدم عساكره ، وأن يحسن
إليه غاية الاحسان . فترجل افتكين عن فرسه بين الصفين وقبل الأرض نحو العزيز ، وأرسل إليه
يقول : لو كان هذا القول سبق قبل هذا الحال لأمكنني وسارعت وأطعت ، وأما الآن فلا . ثم ركب
فرسه وحمل على ميسرة العزيز ففرق شملها وبدد حيلها ورجلها . فبرز عند ذلك العزيز من القلب
وأمر الميمنة فحملت حملة صادقة فانهزم القرمطي وتبعه بقية الشاميين وركبت المغاربة أقفيتهم يقتلون
ويأسرون من شاؤوا ، وتحول العزيز فنزل خيام الشاميين بمن معه ، وأرسل السرايا وراءهم ، وجعل لا
يؤتى بأسير إلا خلع على من جاء به ، وجعل لمن جاءه الفتكين مائة ألف دينار ، فاتفق أن الفتكين
عطش عطشا شديدا ، فاجتاز بمفرج بن دغفل ، وكان صاحبه ، فاستسقاه فسقاه وأنزله عنده في
بيوته ، وأرسل إلى العزيز يخبره بأن طلبته عنده ، فليحمل المال إلي وليأخذ غريمه ، فأرسل إليه بمائة
ألف دينار وجاء من تسلمه منه ، فلما أحيط بالفتكين لم يشك أنه مقتول ، فما هو إلا أن حضر عند
العزيز أكرمه غاية الاكرام ، ورد إليه حواصله وأمواله لم يفقد منها شيئا ، وجعله من أخص أصحابه
وأمرائه ، وأنزله إلى جانب منزله ، ورجع به إلى الديار المصرية مكرما معظما ، وأقطعه هنالك
إقطاعات جزيلة ، وأرسل إلى القرمطي أن ، يقدم عليه ويكرمه كما أكرم الفتكين ، فامتنع عليه وخاف
منه ، فأرسل إليه بعشرين ألف دينار ، وجعلها له عليه في كل سنة ، يكف بها شره ، ولم يزل الفتكين
مكرما عند العزيز حتى وقع بينه وبين الوزير ابن كلس ، فعمل عليه حتى سقاه سما فمات ، وحين
علم العزيز بذلك غضب على الوزير وحبسه بضعا وأربعين يوما ، وأخذ منه خمسمائة ألف دينار ثم
رأى أن لا غنى به عنه فأعاده إلى الوزارة . وهذا ملخص ما ذكره ابن الأثير .
وفيها توفي من الأعيان . . .
البداية والنهاية — صفحة 319
مساهمون: ابن كثير
ص٣١٩