تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
فهرب منه الفتكين في الأتراك إلى بغداد ، فسار خلفهم فنزل في الجانب الشرقي منها ، وأمر بختيار أن ينزل على الجانب الغربي ، وحصر الترك حصرا شديدا ، وأمر أمراء الاعراب أن يغيروا على الأطراف ويقطعوا عن بغداد الميرة الواصلة إليها ، فغلت الأسعار وامتنع الناس من المعاش من كثرة العيارين والنهوب ، وكبس الفتكين البيوت لطلب الطعام واشتد الحال ، ثم التقت الأتراك وعضد الدولة فكسرهم وهربوا إلى تكريت واستحوذ عضد الدولة على بغداد وما والاها من البلاد ، وكانت الترك قد أخرجوا معهم الخليفة فرده عضد الدولة إلى دار الخلافة مكرما ، ونزل هو بدار الملك وضعف أمر بختيار جدا ، ولم يبق معه شئ بالكلية ، فأغلق بابه وطرد الحجبة والكتاب عن بابه واستعفى عن الامارة ، وكان ذلك بمشورة عضد الدولة ، فاستعطفه عضد الدولة في الظاهر ، وقد أشار عليه في الباطن أن لا يقبل فلم يقبل . وترددت الرسل بينهما فصمم بختيار على الامتناع ظاهرا ، فألزم عضد الدولة بذلك وأظهر للناس أنه إنما يفعل هذا عجزا منه عن القيام بأعباء الملك فأمر بالقبض على بختيار وعلى أهله وإخوته ، ففرح بذلك الخليفة الطائع ، وأظهر عضد الدولة من تعظيم الخلافة ما كان دارسا ، وجدد دار الخلافة حتى صار كل محل منها آنسا ، وأرسل إلى الخليفة بالأموال والأمتعة الحسنة العزيزة وقتل المفسدين من مردة الترك وشطار العيارين . قال ابن الجوزي : وفي هذه السنة عظم البلاء بالعيارين ببغداد ، وأحرقوا سوق باب الشعير ، وأخذوا أموالا كثيرة ، وركبوا الخيول وتلقبوا بالقواد ، وأخذوا الخفر من الأسواق والدروب ، وعظمت المحنة بهم جدا واستفحل أمرهم ، حتى أن رجلا منهم أسود كان مستضعفا نجم فيهم وكثر ماله حتى اشترى جارية بألف دينار ، فلما حصلت عنده حاولها عن نفسها فأبت عليه فقال لها : ماذا تكرهين مني ؟ قال : أكرهك كلك . فقال : فما تحبين ؟ فقالت : تبيعني . فقال : أو خير من ذلك ؟ فحملها إلى القاضي فأعتقها وأعطاها ألف دينار وأطلقها ، فتعجب الناس من حلمه وكرمه مع فسقه وقوته . قال : وورد الخبر في المحرم بأنه خطب للمعز الفاطمي بمكة والمدينة في الموسم ، ولم يخطب للطائع . قال : وفي رجب منها غلت الأسعار ببغداد حتى بيع الكر الدقيق الحواري بمائة ونيف وسبعين دينارا . قال : وفيها اضمحل أمر عضد الدولة بن بويه وتفرق جنده عنه ولم يبق معه سوى بغداد وحدها ، فأرسل إلى أبيه يشكو له ذلك ، فأرسل يلومه على الغدر بابن عمه بختيار ، فلما بلغه ذلك خرج من بغداد إلى فارس بعد أن أخرج ابن عمه من السجن وخلع عليه وأعاده إلى ما كان عليه ، وشرط عليه أن يكون نائبا له بالعراق يخطب له بها ، وجعل معه أخاه أبا إسحاق أمير الجيوش لضعف بختيار عن تدبير الأمور ، واستمر ذاهبا إلى بلاده ، وذلك كله عن أمر أبيه له بذلك ، وغضبه عليه بسبب غدره بابن عمه وتكرار مكاتباته فيه إليه . ولما سار ترك بعده وزير أبيه أبا الفتح بن العميد ، ولما استقر عز الدولة بختيار ببغداد وملك العراق لم يف لابن عمه عضد الدولة بشئ مما قال ، ولا ما كان التزم ، بل تمادى على ضلاله القديم ، واستمر على مشيه الذي هو غير مستقيم من الرفض وغيره .