تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
قدم المعز بعد ذلك ومعه جحافل من الجيوش ، وأمراء من المغاربة والأكابر ، وحين نزل الإسكندرية تلقاه وجوه الناس فخطبهم بها خطبة بليغة ادعى فيها أنه ينصف المظلوم من الظالم ، وافتخر فيها بنسبه وأن الله قد رحم الأمة بهم ، وهو مع ذلك متلبس بالرفض ظاهرا وباطنا كما قاله القاضي الباقلاني إن مذهبهم الكفر المحض ، واعتقادهم الرفض ، وكذلك أهل دولته ومن أطاعه ونصره ووالاه ، قبحهم الله وإياه . وقد أحضر إلى بين يديه الزاهد العابد الورع الناسك التقي أبو بكر النابلسي ، فقال له المعز : بلغني عنك أنك قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة ورميت المصريين بسهم ، فقال : ما قلت هذا ، فظن أنه رجع عن قوله فقال : كيف قلت ؟ قال : قلت ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر . قال : ولم ؟ قال : لأنكم غيرتم دين الأمة وقتلتم الصالحين وأطفأتم نور الإلهية ، وادعيتم ما ليس لكم . فأمر بإشهاره في أول يوم ثم ضرب في اليوم الثاني بالسياط ضربا شديدا مبرحا ثم أمر بسلخه في اليوم الثالث ، فجئ بيهودي فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن قال اليهودي : فأخذتني رقة عليه ، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات رحمه الله . فكان يقال له الشهيد ، وإليه ينسب بنو الشهيد من أهل نابلس إلى اليوم ، ولم تزل فيهم بقايا خير ، وقد كان المعز قبحه الله فيه شهامة وقوة حزم وشدة عزم ، وله سياسة ، وكان يظهر أنه يعدل وينصر الحق ولكنه كان مع ذلك منجما يعتمد على حركات النجوم ، قال له منجمه : إن عليك قطعا - أي خوفا - في هذه السنة فتوار عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المدة . فعمل له سردابا وأحضر الأمراء وأوصاهم بولده نزار ولقبه العزيز وفوض إليه الامر حتى يعود إليهم ، فبايعوه على ذلك ، ودخل المعز ذلك السرداب فتوارى فيه سنة فكانت المغاربة إذا رأوا سحابا ترجل الفارس منهم له عن فرسه وأومأ إليه بالسلام ظانين أن المعز في ذلك الغمام ، ( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين ) [ الزخرف : 54 ] ثم برز إليهم بعد سنة وجلس في مقام الملك وحكم على عادته أياما ، ولم تطل مدته بل عاجله القضاء المحتوم ، ونال رزقه المقسوم ، فكانت وفاته في هذه السنة ، وكانت أيامه في الملك قبل أن يملك مصر وبعد ما ملكها ثلاثا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام ( 1 ) ، منها بمصر سنتان وتسعة أشهر والباقي ببلاد المغرب ، وجملة عمره كلها خمسة وأربعون سنة وستة أشهر ، لأنه ولد بإفريقية ( 2 ) في عاشر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة وكانت وفاته بمصر في اليوم السابع عشر ( 3 ) من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة وهي هذه السنة .

ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة

فيها توفي ركن الدولة بن علي بن بويه وقد جاوز التسعين ( 4 ) سنة ، وكانت أيام ولايته نيفا .

هامش
( 1 ) في العبر 4 / 51 : ثلاث وعشرين وسنة . ( 2 ) في الكامل 8 / 663 ووفيات الأعيان 5 / 228 : بالمهدية من إفريقيا في حادي عشر رمضان . ( 3 ) في العبر 4 / 51 : في منتصف ربيع الآخر . ( 4 ) في الكامل 8 / 670 وأبي الفداء 2 / 116 : السبعين