البداية والنهاية — صفحة 195
عبد الملك بن محمد بن عدي الفقيه الاستراباذي ، أحد أئمة المسلمين والحفاظ المحدثين وقد ذكرناه أيضا في طبقات الشافعية . القاضي أبو عمر المالكي : محمد بن يوسف ابن ( 1 ) إسماعيل بن حماد بن زيد ، أبو عمر القاضي ببغداد ومعاملاتها في سائر البلاد ، كان من أئمة الاسلام علما ومعرفة ، وفصاحة وبلاغة ، وعقلا ورياسة ، بحيث كان يضرب بعقله المثل . وقد روى الكثير عن المشايخ ، وحدث عنه الدارقطني وغيره من الحفاظ ، وحمل الناس عنه علما كثيرا من الفقه والحديث ، وقد جمع قضاء القضاة في سنة سبع عشرة وثلاثمائة وله مصنفات كثيرة . وجمع مسندا حافلا ، وكان إذا جلس للحديث جلس أبو القاسم البغوي عن يمينه وهو قريب من سن أبيه ، وجلس عن يساره أيضا ابن صاعد ، وبين يديه أبو بكر النيسابوري ، وسائر الحفاظ حول سريره من كل جانب . قالوا : ولم ينتقد عليه حكم من أحكامه أخطأ فيه قط . قلت : وكان من أكبر صواب أحكامه وأصوبها قتله الحسين بن منصور الحلاج في سنة تسع وثلاثمائة كما تقدم . وكان القاضي أبو عمر هذا جميل الأخلاق ، حسن المعاشرة ، اجتمع عنده يوما أصحابه فجئ بثوب فاخر ليشتريه بنحو من خمسين دينارا ، فاستحسنه الحاضرون ، فدعا بالقلانسي ، وأمره أن يقطع ذلك الثوب قلانس بعدد الحاضرين . وله مناقب ومحاسن جمة رحمه الله تعالى . توفي في رمضان منها عن ثمان وسبعين سنة ، وقد رآه بعضهم في المنام فقال له : ما فعل بك ربك ؟ فقال : غفر لي بدعوة الرجل الصالح إبراهيم الحربي . ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة في صفر منها أحضر القاهر رجلا كان يقطع الطريق فضرب بين يديه ألف سوط ، ثم ضربت عنقه وقطع أيدي أصحابه وأرجلهم . وفيها أمر القاهر بإبطال الخمر والمغاني والقيان ، وأمر ببيع الجواري المغنيات بسوق النخس ، على أنهن سواذج . قال ابن الأثير : وإنما فعل ذلك لأنه كان محبا للغناء فأراد أن يشتريهن برخص الأثمان ، نعوذ بالله من هذه الأخلاق . وفيها أشاعت العامة بينهم بأن الحاجب علي بن بليق يريد أن يلعن معاوية على المنابر . فلما بلغ الحاجب ذلك بعث إلى رئيس الحنابلة البربهاري أبي محمد الواعظ ليقابله على ذلك ، فهرب واختفى ، فأمر بجماعة من أصحابه فنفوا إلى البصرة . وفيها عظم الخليفة وزيره علي بن مقلة وخاطبه بالاحترام والاكرام . ثم إن الوزير ومؤنسا الخادم وعلي بن بليق وجماعة من الأمراء اشتوروا فيما بينهم على خلع القاهر وتولية أبي أحمد المكتفي ، وبايعوه سرا فيما بينهم ، وضيقوا على القاهر بالله في رزقه ، وعلى من يجتمع به . وأرادوا القبض عليه سريعا . فبلغ ذلك القاهر - بلغه طريف اليشكري ( 2 ) - فسعى في القبض عليهم ( 1 ) في الكامل 8 / 247 : ابن يعقوب بن إسماعيل . ( 2 ) في الكامل 8 / 251 : السبكري . ( انظر تاريخ أبي الفداء 2 / 78 ) .